بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 4 نوفمبر 2018

الرد على شبهات المشككين :حول ذكرى الاحتفال بالمولد النبوي !

الرد على شبهات المشككين :

أدعياء السلفية يقولون : المولد ما فعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) – ما فعله الصحابة – ما فعله التابعون. ولو كان خيراً لسبقونا إليه:
الجواب :
قال ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" :
"إن ما تركه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مع قيام المقتضى له لا يجوز إحداثه لأن إحداثه من البدع .
قال: وأما ما رآه المسلمون من مصلحة إن كان لسبب أمر أحدث بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فهاهنا يجوز إحداث ما تدع الحاجة إليه" اهـ .
ونحن نقول وبالله التوفيق:
إن ذكرى المولد لم يكن سبب يقتضي إقامتها في عهده ( صلى الله عليه وسلم )، أو في عهد القرون الثلاثة، حتى ولا التفكير في إقامتها، وإنما حدث الموجب لإقامتها بعد ذلك حين انصرفت النفوس عن الخير .
وقد سبق القول بأن إحياء الذكرى ذات هدف نبيل، وأسلوب غير مباشر للتذكر بما تم على يده ( صلى الله عليه وسلم ) من صنوف الخير، وسبب من أسباب استمالة القلوب واجتذاب النفوس إلى الخير والصلاح .
وفي عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعهد أصحابه كانت المشخصات تغني عن الذكريات، فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعيش بين ظهراني أصحابه يتفقدهم بشخصه، ولا تلم بأحدهم شبهة إلا كشفها، ولا تنزل به غاشية إلا جلاها، ولا يحتك في صدر أي منهم نزعة أو يطرقه وسواس إلا كان عند الرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دواؤه وشفاؤه، وكان يدخل في أنفسهم، وفي مسرى مشاعرهم، ومشارب تفكيرهم، فتعمر قلوبهم بالإيمان، ونفوسهم بالسكينة، وكانوا وهم بهذا الشعور يقطعون المسافات الطويلة بقلب مطمئن ، ونفس ساكنة .
وإنه بعد لحاقه ( صلى الله عليه وسلم ) بالرفيق الأعلى ظلت أفواههم رطبة ندية بسيرته العطرة، يتنسمون منها أرواح الهدى، ويتزودون بخير الزاد .
قلوبهم عامرة مشخصة لذكره ( صلى الله عليه وسلم ) وما تم على يده مما شاهدوه بأعينهم، فكان ( صلى الله عليه وسلم ) مقياساً فصلاً في خواطرهم وآرائهم وأهوائهم ورغباتهم وخلجات نفسهم لا مكان في قلوبهم لهوى نفس .
وأنه لا سبيل بعد هذا كله أن يقال عن إقامة الذكرى: "ما فعلها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) – ما فعلها الصحابة – لو كانت خيراً لسبقونا إليه " ، اللهم إلا أن يقول ذلك من لا يعقل أن الذكريات التي تقام من أجل تحقيق تلك النتائج أو بعضها لا يفكر فيها إلا عندما تفقد المشخصات المبصرة بالعيون، أو عندما يضعف أثرها في القلوب حين يبعد العهد بها .
وكان يغني التابعين وتابعيهم عن التفكير في هذه الذكريات والحاجة إليها ما امتلأت به صدورهم من تلك السيرة العطرة ونتائجها مما شاهدوه من هدي الصحابة ومن بعدهم وما تلقوه منهم. فطبع جلهم على الصلاح لا يفارقون العلم وحلقاته، ويتنافسون في صقل نفوسهم وتزويدها بما ازدهر في عصرهم من علوم القرآن والحديث والسيرة والفقه والأخلاق .
فأنى لمثل هذه النفوس أن تفكر في إقامة الذكرى، بينما القلوب مشحونة بالاتباع، مشخصة فيها السيرة العطرة، وكأن أحداثها مبصرة بأعينهم .
وهذا بالإضافة إلى أن جو الصعيد الرسمي في العهد الأموي الذي كان يلعن فيه علي بن أبي طالب زوج فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويطارد أولادها ويقتلون: لم يكن يوحى للاحتفاء بذكرى تذكر الناس بما لهؤلاء من شأن .
وكذلك الحال في أوائل عهد الدولة العباسية يوم بدأت مطاردة أهل البيت العلوي، والجدل حول من هو أحق بميراث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الخلافة، هل هم بنو عمه أم بنو بنته فاطمة "وما كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ممن يورث ولكنه التبرير لشهوة السلطان بأي سبيل" .
ونتيجةً لتأثر المجتمع الإسلامي مما فيه من أصناف الجماعات، وما دخل عليهم من الفتن ، وإطلال الأطماع والشهوات، وتنافس الناس على شؤون الدنيا والانشغال بها: قل من تسعدهم الأوقات بدراسة القرآن الكريم، ومد أيديهم إلى الكتب للاستبصار بسيرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) والاستئناس بسيرة السلف الصالح .
وكلما تباعد الزمان ساءت الأمور ودعت الحاجة إلى ابتكار أسلوب يذكر الأمة بما هو عليه ( صلى الله عليه وسلم ) من صفات وشمائل، وما أفاض الله به من أنواع الخير كسبب للوقاية من الدعايات والمغريات التي يحارب بها أعداء الإسلام أمة الإسلام .
ولما كان أسلوب التوجيه المباشر هو أسلوب لا يقترب من النفس البشرية. لذا فاللجوء إلى الأساليب غير المباشرة أسلوب ناجح في الوصول إلى صدور الناس واستمالتهم إلى الخير والصلاح .
وانبثق عن هذا فكرة الاحتفاء بذكرى مولد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) للوصول إلى تلك النتائج إذ لا أسهل من الاجتماع في مناسبة على مجلس فيه ذكر وفيه تذكير لإيصال ما يراد إيصاله إلى أهله. وعلى هذا فلا سبيل إلى اعتراض المعترضين على الاحتفاء بهذه الذكرى .
وتنبهت الأمم الإسلامية في المشرق والمغرب إلى ما لهذا الأسلوب من آثار في الوصول إلى صدور الناس وإثارة للعواطف الكريمة التي تثيرها تلك الذكرى وما تحمله من شكر المولى عز وجل على ما من به من إيجاده ( صلى الله عليه وسلم )، وما تنميه في قلوب الأمة من تعظيم لقدر هذا النبي ( صلى الله عليه وسلم )، وإظهار الفرح والسرور بمولده والعرفان لما فاض من طلعته الميمونة في إنارة الطريق وشحن القلوب بجلاله ومحبته وتعظيمه ( صلى الله عليه وسلم )، كلما تجددت تلك الذكرى، فكان فيها جلاء لصدأ القلوب، وجلوس لمجلس خير، يتحقق فيه مبرات وصلات وذكر وقراءة قرآن وإشاعة لسيرته ( صلى الله عليه وسلم )، وكثرة صلاة وتسليم عليه، ومدحه وغرس لحبه الذي لا يتحقق الإيمان إلا به .
وحسب هذا المجلس بركة ما يشاهد فيه من امتلاء القلوب بالخشية، وتذلل الوجه بالضراعة، ورفع الأيدي بالرجاء، واشتغال الألسن بالدعاء، وانكسار النفوس بالتذلل، وصدق الآمال في أرحم الراحمين، وليس في استدرار الرحمة مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد وصعيد واحد، فلا بدع أن عم الجمع الرحمة ونال بعضهم بركة بعض، ووهب الله مسيئهم لمحسنهم، وطالحهم لصالحهم كما هو الحال في كل اجتماع شرعه الله كالوقوف بعرفات والجماعات والجمع والعيدين وغيرها، وكما هو الحال يوم المحشر الذي تزدحم فيه الخلائق فينال المؤمنين فيه بركات الرسل والأنبياء وعباد الله الصالحين .
فنهج ملوك الدول السلامية وشعوبها على المواظبة على الاحتفال بهذه الذكرى لهذه الغايات .
وكان أكثر الأمم احتفالاً بها بعد مصر : الشام الجزيرة والموصل واليمن وإفريقيا والمغرب والأندلس .
وحتى بعد قضاء صلاح الدين في سنة 567 على الدلة الفاطمية
وانصرافه إلى الاستعداد المستمر لرد غارات الصليبيين لم يحل ذلك دون مواصلة الشعب للاحتفاء بهذه الذكرى حتى إن الملك المظفر أبو سعيد ملك إربل المتوفي سنة 630 وهو أمير تابع لصلاح الدين، وصهره زوج أخته حافظ على الاحتفاء بهذه الذكرى وألف له الحافظ ابن دحية المتوفى سنة 633 حين مر على إربل سنة 604 كتاباً في المولد سماه: "التنوير في مولد البشير النذير" حسن فيه الاحتفال وأقام على ذلك وجوه الاستدلال .
واستمر عمل المولد في سائر أقطار الإسلام على مستوى الحكومات والشعوب منذ نشأت في سنة 362إلى اليوم وتطورت مظاهر الاحتفال بذكراه حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن مما سبق ذكره.
قال السخاوي: ولا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ويعملون الولائم ويتصدقون في ليلته بأنواع من الصدقات .
وليس المهم من فعله من الحكام أو الشعوب، وإنما من طالع الوفيات وكتب الطبقات والتاريخ يعلم أن القرن الرابع والخامس والسادس والسابع كان زاهراً بالعلماء، ومع ذلك لم ينقل عن أحد منهم إنكاراً على إقامته حتى جاء ابن تيمية المتوفى أوائل القرن الثامن سنة 728 فأنكر فعله شاذاً عن الجمهور .
وإن المرء يستغرب عده المولد من المحدثات الممنوعة مع ما نقلناه عنه أن للمسلمين إحداث ما تقضي به المصلحة وتدعو إليه الحاجة من الأمور التي لم يكن المقتضي لها قائماً في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا في عهد أصحابه .
فهل كان الصحابة في عهده ( صلى الله عليه وسلم ) وبعد عهده في حاجة إلى إقامة ذكريات تشحذ عزائمهم إلى الاتباع والتعظيم والمحبة وعندهم المشخصات التي شاهدوها بأعينهم، وبقيت حيةً في قلوبهم بعد وفاته ( صلى الله عليه وسلم )، تلقنها التابعون مشافهةً عملاً وعلماً .
ولم يقل بقول ابن تيمية في بدعة المولد إلا فئة تأثرت بأقواله من معاصريه وبعدهم ، كابن الحاج المتوفي سنة 733، والفاكهاني المتوفى سنة 734، والشاطبي المتوفى سنة 790 لما شبه لهم أنه عبادة وإحداث في الدين وزيادة فيه، وفاتهم أن المولد هو أسلوب اجتماعي لتحقيق أغراض دينية مشروعة، فخلطوا بين الأسلوب وبين ما قصد به من تحقيق غايات دينية مشروعة .
ولم يلتفت جماهير العلماء إلى إنكارهم بل المنقول عن جل العلماء وسوادهم الأعظم تحبيذه والتأليف فيه وحضور مجالسه .
قال أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحواد" مادحاً لهذا العمل: "وإنه يحسن ويندب إليه ويشكر فاعله ويثني عليه"اهـ .
والمهم بيانه: إن المقتضي لإقامة الاجتماع لذكرى المولد لم يكن قائماً في عهده ( صلى الله عليه وسلم ) ولا عهد أصحابه كما ذكرناه عن الصحابة ثم التابعين، من عمران القلوب بهديه ( صلى الله عليه وسلم )، حيث أغنت المشخصات عن إقامة الذكريات .
أما حين بَعُدَ العهد وانشغل الناس بالدنيا عن الدراسة والاستبصار بسيرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وصدأت القلوب، فلا حرج على من اتخذ أسلوباً للوصول إلى صدور الناس في جلاء الصدأ، وليس أنسب من اختيار يوم ميلاده لتشخيص ذكراه في القلوب، واستعراض بعض ما جاء به ترقيقاً للقلوب بأسلوب غير مباشر ، يقرب من النفس البشرية .
فلا سبيل إلى الاعتراض على الاحتفاء بهذه الذكرى لما تحققه من غاية نبيلة سبق ذكرها ... والله الهادي إلى سواء السبيل .

ليس كل ما أحدث بعد رسول الله أو في حياته مما لم ينصّ عليه بدعة ضلالة كما يفهمه البعض .. والترك لا يدل على التحريم ..!؟

 

 ليس كل ما أحدث بعد رسول الله أو في حياته مما لم ينصّ عليه بدعة ضلالة كما يفهمه البعض .. والترك لا يدل على التحريم ..!؟
والدليل على كلامنا ما يلي:
أولا: أن تسمية البدعة الحسنة هي تسمية لغوية ليس إلاَّ .. فالبدعة في اللغة: هي الشيء الجديد المخترَع على غير مثال سابق مطابق له ..
وهذا يندرج تحته الخير والشر والحسن والسيئ من أفعال الناس , ومنه قول عمر رضي الله تعالى عنه في التراويح “نعمت البدعة هذه” ..
ومعلوم أن عمر رضي الله عنه زاد على ما أقره النبي عددا من الأمور في التراويح ..
منها: أن النبي لم يسنها لهم وسنها عمر ..
ومنها: أنه صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها , وجعلها عمر رضي الله عنه طوال رمضان وحافظ على ذلك مدة خلافته ..
ومنها: أنه ما جمَع الناس لها , وجمعهم عمر وندبهم إليها ..
ومنها: أن عمر رتّب لها إماما بعينه لا يؤم الناس غيره ..
ومنها: أنه ما حدد لها عددا من الركعات , وحدد عمر ..
قال ابن الأثير في النهاية: (( البدعة بدعتان: بدعة هدى , وبدعة ضلال .. فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله , فهو في حيّز الذم والإنكار.
وما كان واقعا تحت عموم ما ندّب الله إليه , وحَضّ عليه الله ورسوله , فهو في حيز المدح .
وما لم يكن له مثال موجود , كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف , فهو في الأفعال المحمودة ..
ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به , لأن النبي قد جعل في ذلك ثوابا, فقال: “من سَنَّ سُنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها” , وقال في ضده: “ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها”( 1) .. وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به أو رسوله .. ))( 2) أهـ.
ثانيا: من يتهم الرسول بعدم البلاغ ويتهم الدين بالنقصان , هو الذي يخترع من تلقاء نفسه شيئا لا أصل له في الكتاب ولا السنة , بحيث لا يشهد لفعله أصل عام ولا خاص ..
وهذا غير متحقق في البدعة الحسنة .. فهي من الدين في الأصل .. لكن تتقيد بوقت أو هيئة أو عدد لم تتقيد به قبل ذلك , وليس في هذا بأس طالما أن التقييد جاء في عبادة ليست توقيفية في وقتها ولا هيئتها ولا عددها ..

ويدل على صحة قولنا عدة نصوص عن العلماء الأكابر:
وقبل نصوص العلماء نبدأ بهذين الحديثين:
- حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها , أن رسول الله قال: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فهو رد” وفي رواية “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد” ..
ومفهوم الحديث يقتضي لان الذي يعمل عملا عليه أمر المسلمين المشروع فهو ليس مردودا عليه ولا يدخل في نطاق البدعة الضلالة . وبالتالي لا يلزمه ما يدعيه المخالفون في المسألة.

- وحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه , أن رسول الله قال: “ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئا وتلا: وما كان ربك نسيا” ..
فالتقييد الذي استحدث في عبادة ما أو العبادة المعروفة التي قام المحدث بفعله في وقت أو لغرض لم ترد من أجله قبل ذلك , هو مما سكت عنه الشارع , فهو من المعفوّ عنه بنص الحديث الشريف الصحيح ..

- وروى البيهقي في مناقب الشافعي رضي الله عنه , أنه قال: (( المحدثات ضربان .. ما أُحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا , فهذه بدعة الضلال .. وما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا , فهذه محدثة غير مذمومة ))(3 ).أهـ
- وقال الحافظ ابن رجب في شرحه: (( والمراد بالبدعة: ما أُحدِث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه , وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه, فليس ببدعة شرعا , وإن كان بدعة لغة ))( 4).
- وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود قال: “إن أحسن الحديث كتاب الله , وأحسن الهدي هدي محمد , وشر الأمور محدثاتها”(5 ).

قال الحافظ ابن حجر: (( والمُحدَثات بفتح الدال: جمع محدَثة , والمراد بها: ما أحدث وليس له أصل في الشرع , ويسمى في عرف الشرع بدعة , وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة .. فالبدعة في عرف الشرع مذمومة , بخلاف اللغة , فإن كل شيء أُحدِث على غير مثال يمسى بدعة , سواء كان محمودا أو مذموما ))( 6). أهـ
قلت: ما أُحدِث وله أصل في الشرع يشهد له يسمى سنة حسنة , كذلك سماه النبي , ومقابِله يسمى سنة سيئة( 7).

- وروى أبو نعيم عن إبراهيم بن الجنيد , قال: سمعت الشافعي يقول: “البدعة بدعتان: بدعة محمودة , وبدعة مذمومة .. فما وافق السنة فهو محمود , وما خالف السنة فهو مذموم”( .

- وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (( وأما قوله في حديث العرباض: “فإن كل بدعة ضلالة” بعد قوله: “وإياكم ومحدثات الأمور” , فإنه يدل على أن المحدث يسمى بدعة , وقوله: “كل بدعة ضلالة” قاعدة شرعية كُلّيّة بمنطوقها ومفهومها .. أما منطوقها , فكأنْ يقال: حكم كذا بدعة , وكل بدعة ضلالة , فلا تكون من الشرع , لأن الشرع كله هدى .. فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة , صحّت المقدمتان وأنتجتا المطلوب .. والمراد بقوله: “كل بدعة ضلالة” : ما أحدث ولا دليل عليه من الشرع بطريق خاص ولا عام ))( 9). أهـ
وهذه النقول من أقوال العلماء الفحول تكفي لمن تدبر وهو يبتغي الحق .. وتدمغ التهويشات التي يتقنها مسعرو الفتن ومفرقو المسلمين ..

==============


.
 اليكم بعض أفعال وأقوال الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم والذين فهموا معنى البدعة المُشار إليها في الحديث لاسيما أنها بعد وفاته صلي الله عليه وسلم ولم يفعلها في حياتهِ, وهي في العبادات فهل تُوصف افعالهم بالبدعة و الضلالة أم ماذا ؟؟! فإليكم بعض أفعالهم رضي الله عنهم.
 أولاً :- جمع القرآن :-
فلقد جاء في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنهُ أنهُ قال: (( قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن القرآن جُمع في شيء)). فنقول عمر بن الخطاب رضي الله عنهُ هو الذي أشار على أبي بكر رضي الله عنهُ بجمع القرآن في مصحف عندما كثر القتل بين الصحابة في واقعة اليمامة، فتوقف أبو بكر وقال : كيف نفعل شيئاً لم يفعلهُ رسول الله (ﷺ) ؟ قال عمر: هو والله خير ونقول للمعارض أنظر إلى قول عمر لسيدنا الصديق ( هو والله خير)، فلم يزل عمر يراجع أبا بكر حتى شرح الله صدر أبا بكر لهُ، وبعث أبابكر إلى زيد بن ثابت فكلفهُ بتتبع القرآن وجمعهِ، قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل عليّ مما كلفني بهِ أبابكر من جمع القرآن ثم قال زيد بن ثابت: كيف تفعلون شيئا لم يفعلهُ رسول الله (ﷺ) ؟ قال الصديق ( هو خير ) فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري. وليراجع المعارضون والقراء هذه القصة فهي مبسوطة في صحيح البخاري .

ثانيا :- فصل مقام إبراهيم عن البيت
 فلقد أخرج البيهقي بسند قوي عن عائشة قالت: إن المقام كان في زمن النبي (ﷺ)  وفي زمن أبي بكر ملتصقا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنهُ .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح: ولم ينكر الصحابة فعلُ عمر، ولا من جاء بعدهم فصار إجماعاً، وكذلك هو أي سيدنا عمر أول من عمل عليهِ المقصورة التي تشابه المقصورة الموجودة الآن .

ثالثاً :- زيادة ابن مسعود
 ما زآده عبد الله أبن مسعود رضي الله عنه في التشهد الأخير بعد ( ورحمة الله وبركاته ) كان يقول ( السلام علينا من ربنا) وقد روى ذلك الطبراني في معجمه الكبير ورجاله رجال الصحيح كما في معجم الزوائد. فكيف بالله عليك, يأمر أبن مسعود رضي الله عنه بالإتباع وينهى عن الابتداع ثم يبتدع قولاً لم ينزل به الوحي ولم يرد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ولو تمعن هؤلاء القوم ! وأمعنوا النظر فيما سبق إيراده من أقوال أهل العلم من المحدثين, لعلموا أن المراد من قوال أبن مسعود (أتبعوا) أي اتبعوا ما جاء به الشارع أو كل ما له أصل في الشرع. ( ولا تبدعوا) أي كل شيء يخالف الشرع أو ليس له أصل في الشرع .

رابعاً:- صلاة سيدنا علي كرم الله وجهه

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي أنشأها سيدنا علي كرم الله وجهه. وقد كان رضي الله عنه يُعلمها للناس. أوردها أبن جرير وسعيد بن منصور في تهذيب الآثار, وأبن ابي عاصم ويعقوب أبن شيبه في أخبار علي كرم الله وجهه والهيثمي في مجمع الزوائد والطبراني في الأوسط وهي ( اللهم يا داحي المدحوات ....) وله رضي الله عنه دعاء آخر أورده الحافظ في الفتح في كتاب التفسير وقال رواه الطبراني من طريق فاطمة بنت علي عليهم السلام. قالت كان أبي يقول : ( يا كهيعص أغفر لي ), ومن علي أبن طلحه عن أبن عباس قال ( كهيعص قسم أقسم الله به وهو من أسمائه) فلعله أخذ ذلك عن علي رضي الله عنه, وغيرهم عن سلامة الكندي .

خامساً :- زيادة الأذان الأول يوم الجمعة
 : ففي صحيح البخاري عن السائب بن زيد قال : ( كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر .... على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهم, فلما كان عثمان زاد النداء الثالث), باعتبار إضافته الى الأذان الأول والإقامة, ويقال له أول لاعتبار سبقه في الزمان على أذان الجمعة. وروى ذلك أبن ابي شيبه عن ابن عمر قال : الأذان الأول بدعه, قال الحافظ ابن حجر في الفتح: [ فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الانكار, ويحتمل ان يريد : أنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم, وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعه, لكن منها ما يكون حسناً ومنها ما يكون بخلاف ذلك ] .

سادساً:- إفراد النساء بإمام
 وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عروه ان عمر جمع الناس على أُبي بن كعب مكان يصلي بالرجال, وكان تميم الداري يصلي بالنساء. وإفراد النساء بإمام لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بل كن يصلين مع الرجال في عهده صلى الله عليه وسلم, فهل هذا العمل من عمر الا اجتهاد منه في إطار المشروع . فالنساء مطالبات بقيام رمضان كالرجال وكثرة المصلين قد تمنع سماع النساء لقرآه الإمام فأفردهن بإمام جارً على قواعد الشريعة, أو انه رضي الله عنه استند الى عمل أُبي في صلاته بأهله في قيام رمضان كما رواه أبن حيان. وهو من الخلفاء الراشدين والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) .
وكذلك روى عبد الرزاق في المصنف عن الثوري عن هشام بن عروه أن عمر ابن الخطاب أمر سليمان ابن جثمه أن يؤم النساء في المسجد في شهر رمضان .
ومعلوم وثابت ان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ان صلى بالناس في المسجد جماعة في قيام رمضان ثلاثاً أو اقل لم يخرج إليهم حين غُص المسجد بأهله وخرج إليهم الفجر وقال (أنه لم يحق عليه مقامكم ولكني خشيت ان تفرض عليكم, فصلوا ايها الناس في بيوتكم) ومع ذلك فكان بعض الصحابة يصلون في المسجد كما وجدهم عمر اوزاعاً متفرقين يصلي الرجل لنفسه, ويصلي الرجل ومعه الرهط, فهل كان هؤلاء المصلون المبتدعين مخالفين لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بقوله (ألا صلوا في بيوتكم) , وهل كان عمر رضي الله عنه كذلك عند ما جمعهم على إمام وأحد؟!.

سابعاً:- زيادة عبدالله بن عمر البسملة
 زيادة إمام السنة والجماعة, عبدالله بن عمر البسملة في أول التشهد, وكذلك ما زاده في التلبية بقوله ( لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل ....) وهذا مبسوط في صحيح البخاري ومسلم , وروي عن ابن ابي شيبه بسند صحيح أن عمر رضي الله عنه كان يزيد في التلبية ( لبيك مرغوب إليك ذا النعماء والفضل الحسن) فلماذا زاد على التلبية الواردة؟

ثامناً :- استلام ابن عباس رضى الله عنهُ أركان الكعبة الأربعة

فقد أخرج البخاري والترمذي والطبراني في الكبير والهيثمي في مُجمع الزوائد أن أبي الطفيل قال قدم معاوية وابن عباس الكعبة فاستلم ابن عباس الأركان كُلها فقال لهُ معاوية إنما استلم رسول الله (ﷺ) الركنين اليمانيين ! قال ابن عباس :- ( ليس شيء من البيت مهجوراً ) . والذي ثبت عن سيدنا رسول الله فيما رواه عنهُ البخاري ومسلم وغيرهما أنه كان يستلم الركنيين اليمانيين من الكعبة المشرفة , ولم يستلم غيرهما .

تاسعاً :- قراءة سورة العصر قبل التفرق
أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي مدينة الدارمي وكانت لهُ صُحبة قال :- ( كان الرجلان من أصحاب النبي إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة { والعصر إن الإنسان لفي خسر ... } )

عاشراً :- تقبيل القبر الشريف
 فعن داود بن أبي صالح قال :- أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجههُ على القبر النبوي , فقال لهُ مروان أتدري ما تصنع ؟ فإذا هو أبو أيوب الأنصاري , فقال أبو أيوب : نعم جئتُ رسول الله صلى الله عليهِ وسلم ولم آتِ الحجر .

الحادي عشر :- أن يُصلي المسافر الرباعية أربعة ركعات
فلقد أخرج البخاري في صحيحة برقم (1107 ) ومسلم (704 ) أن الني r كان يلازم في أسفاره كُلها القصر فيصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين , ولم يثبت قط أنهُ صلى الرباعية أربعاً في السفر , ومع ذلك فقد صلى عثمان بن عفان رضي الله عنهُ في منى أربعاً وأنكر عليهِ ابن مسعود ثم صلاها( أي ابن مسعود ) معهُ أربعاً , فلما قيل لهُ , قال إني أكره الخلاف ........... الخ من زيادة الصحابة وعلماء وفضلاء الأمة .

فكل هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أحدثوا أشياء رأوها حسنة لم تكن في عهد المصطفى r ولم يفعلها في حياتهِ وهي في العبادات، فما قول المعارضين فيهم رضوان الله عليهم؟ وهل هم من أهل الضلال والبدع المنكرة أم ماذا؟ وهل هم ممن يظنون النبي (ﷺ) لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل بهِ (( نبئونا بعلم إن كنتم صادقين)) .

وبعد هذا التبيان الجليّ من أقوال علماء الأمة وأفعالهم , لم يبقى للمخالفين سوى حجةٌ واحدة هي والله أوهى من خيوط العنكبوت وياليتهُم سكتوا ولم يتفوهوا بها , ألا وهي قولهُم [ لو كانت الأمور المُحدثة في الدين من الدين لبينها الرسول للأمة أو فَعلها في حياتهِ أو فعلها أصحابه رضي الله عنهم، ولا يقول قائل أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تركها تواضعاً منه فإن هذا طعن فيهِ عليه الصلاة والسلام ] .

فالجواب على ذلك هو :-
أن ترك النبي عليهِ الصلاة والسلام لكثيرً من الأشياء لا يعني تحريمها .
فقد يكون تركهُ لها مخافة أن تفرض كصلاة التراويح .
وإما أن يكون تركهُ لعدم تفكيره فيهِ مثل اتخاذ منبراً له ُ
وإما أن يكون تركهُ لدخولهِ في عموميات أو أحاديث ، كتركهِ لكثير من المندوبات لأنها مشمولة في قولهِ تعالى : ) وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ( .
وإما أن يكون تركهُ خشية تغيير قلوب بعض الصحابة , كما قال لعائشة رضي الله عنها ( لولا ان قومكِ حديثو عهداً بجاهلية لأمرتُ بالبيت فهدم فأدخلتُ فيهِ ما أُخرج منهُ وألزمتهُ بالأرض وجعلتُ لهُ بابين باباً شرقياً وباباً غربياً فبلغتُ به أساس إبراهيم عليهِ السلام ) .
والترك وحدهُ إن لم يصحبهُ نصٌ على أن المتروك محظور لا يكون حُجةً في التحريم , بل غاية أمره أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع .
فإن كل ما لم يفعلهُ الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة من بعده لا يُعتبر تركهم لهُ تحريماً ، حسب ما تقتضيهِ القاعدة الأصولية والتي أولها أن يكون: كالنهي المُطلق نحو قولهُ تعالى  ولا تقربوا الزنا ( . وقولهِ) ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل( .
أو كلفظ التحريم نحو ( حُرمت عليكم الميتة ).
أو كذم الفعل والتوعد عليهِ بالعقاب نحو ( من غشنا فليس منا ).
والترك هُنا ليس واحداً من هذه الثلاثة فلا يقتضي التحريم فافهم

ثانيها :-
إن الله تعالى قال ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنهُ فانتهوا) .
ولم يقل وما تركهُ فانتهوا عنهُ , فإذاً الترك لا يفيد التحريم

ثالثها :-
قال النبي صلى الله عليه وسلم [ ما أمرتكم بهِ فأتوا منهُ ما استطعتم وما نهيتكم عنهُ فاجتنبوه ]
ولم يقل ما تركتهُ فاجتنبوه , فكيف يدلُ الترك على التحريم ؟؟؟؟

رابعها :-
أن الأصوليين عرفوا السنة بأنها قول النبي (ﷺ)  وفعلهُ وتقريرهُ ولم يقولوا قط وتركهُ , لأنهُ ليس بدليل .
خامسها :-
تقدم أن الترك يحتمل أنواعاً غير التحريم , والقاعدة الأصولية هي ( أن ما طرأ عليهِ الاحتمال سقط به الاستدلال )

سادسها :-
أن الترك أصل , ولأنهُ عدم فعل , والعدم هو الأصل والفعل طارئ , والأصل لا يدلُ على شيء لغةً ولا شرعاً , فلا يقتضي الترك التحريم , ولذلك عُلم أن النبي لم يفعل جميع المندوبات المباحات ’ لأنها كثيرة لا يستطيع بشراً أن يستوعبها , ولاشتغاله عليهِ الصلاة والسلام بمهام أعظم استغرق معظم وقتهُ من تبليغ الدعوة ومحاربة المشركين , ونقاش مع المخالفين مما هو مهم لتأسيس الدولة الإسلامية . بل أنهُ ترك بعض المندوبات عمداً مخافة أن تُفرض على أمتهُ أو يشق عليهم إذا هو فعلها , فلقد روى البخاري (1177) عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت ( إن الرسول  (ﷺ)  يترك العمل وفعلهُ أحبُ إليهِ خشية أن يستسن الناس بهِ فيُفرض عليهم , وكان يحب ما خفف عليهم )

ثم إن الرسول صلي الله عليه وسلم قال موضحاً لنا هذا الإشكال بقولهِ كما في مُجمع الزوائد وعند الحاكم و البزار والدار قطني ( ما أحل الله في كتابه فهو حلال , وما حرم الله فهو حرام , وما سكت عنهُ فهو عفو , فاقبلوا من الله عافيته , فإن الله لم يكن لينسى شيئاً ثم تلا ) وما كان ربك نسيا ( ) .

- والذي نعلمهُ أنه لم يأت في حديث واحد ولا أثر في التصريح بأن النبي إذا ترك شيئا كان ذلك الشيء المتروك حراماً أو مكروها .
وما أجمل ما قالهُ الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه لدحض هذا الفهم لدى المعارض، وحقيقة فهمهِ رحمه الله لقول النبي ( من سن في الإسلام سنة حسنة ) عندما قال ( أي الشافعي ) { كُل ما لهُ مستند من الشرع فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف, لأن تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت, أو لما هو أفضل منه، أو لعلة لم يبلغ جميعهم علم بهِ} انتهى كلام الشافعيُ .
فإذاً ليس كل مالم يفعلهُ الرسول (ﷺ) خارجاً عن السنة طالما أنَ لهُ أصلٌ في الشرع ، بل إن الحوافز القولية الكثيرة لعمل الخيرات ، والترغيبات الكثيرة القولية بالفضائل العامة والخاصة هي أيضاً من السنن , كما أن التقريرات الصادرة عن رسول الله r فيما يحدث من الخير مما لا يخالف المشروع هي أيضاً من السنة , بل هي طريقة الرسول وسنتهُ التي حث على أتباعها والتمسك بها .
ونقول أن من زعم تحريم شي بدعوى أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يفعلهُ فقد ادعى ما ليس لهُ دليل، وكانت دعواهُ مردودة . فكيف وإن فعلها عليهِ الصلاة والسلام وإن اختلفت الصورة والكيفية ؟

أما شبهة من يتشدق بعدم فعل الصحابة ويقول هل فعل الصحابة كذا وكذا من بعده ؟ فإننا نترك الإمام الحافظ الذهبي يجيبه على ذلك كما جاء في معجم الشيوخ (1/73 و74 ) حيثُ قال :

(( فإن قيل : فهلا ّ فعل ذلك الصحابة قيل : لأنهم عاينوهُ حياً , وتملوا بهِ , وقبّلوا يده , وكادوا يقتتلون على وضوئهِ , واقتسموا شعرهُ المطهر يوم الحج الأكبر , وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجههُ , ونحنُ فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر , ترامينا على قبرهِ بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل , ألا ترى كيف فعل ثابت ألبناني , كان يقبل يدّ أنس بن مالك ويضعها على وجههِ ويقول : يدٌ مست يدّ رسول الله (ﷺ) , وهذه الأمور لا يُحركها من المسلم إلا فرط حبّه للنبي , إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أ شد من حبهِ لنفسه , وولده , والناس أجمعين , ومن أموالهِ ومن الجنة وحورها , بل خلق من المؤمنين يحبون أبابكر وعمر أكثر من حب أنفسهم )) انتهى كلام الذهبي رحمه الله .
ومن هذا المنطلق فعل كثير من الصحابة باجتهاداتهم كما ذكرنا وبيّنا سابقاً أموراً كثيرة لم يفعلها النبي عليهِ الصلاة والسلام ولكن لها أصلٌ , فكانت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقة قبول ما كان من العبادة والخير ويتفق مع المشروع ولا يخالفهُ , ورد ما كان مخالفاً لذلك , فهذهِ سنتهُ وطريقتهُ التى سار عليها خلفاؤهُ وصحابتهِ واقتبس منها العلماء رضوان الله عليهم قولهم :- [ إن ما يُحدث يجب أن يُعرض على قواعد الشريعة ونصوصها فما شهدت لهُ الشريعة بالحُسنِ فهو حسن مقبول , وما شهدت لهُ الشريعة بالمخالفة والقبح فهو مردود وهو البدعة المذمومة , وقد يسمون الأول بدعة حسنة من حيث اللغة باعتبارهِ مُحدثاً وإلا فهو في الواقع ليس ببدعة شرعية بل هو سنة مستنبطة ما دامت شواهد الشريعة تشهد لهُ بالقبول ] كما بينهُ سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمهُ الله في كتابه القواعد.
وعلى كل حال أنا أقول لأخواني المُبدعين هداهم الله وأرشدهم للحق، إن كنتم مُصرين على رأيكم ولم تُقيموا وزناً ولا اعتباراً لأقوال العُمد من الأئمة الأعلام فأقول لكم بناء على القاعدة التي أصلتموها بأنفسكم . و التي تقول

[ إن من أحدث امراً لم يفعلهُ رسول الله صلي الله عليه وسلم أو صحابتهِِ فقد ابتدع في الدين ، و يُفهم منهُ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يُكمل الدين لهذهِ الأمة , وأن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يبّلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل بهِ ].

فأقول لكم كما قال القائل :- (( من فمك نُدينك ))
فقد أحدثتم في العبادات وفروعها مسائل كثيرة لم يفعلها النبي صلي الله عليه وسلم ولا الصحابةِ ولا التابعون ولا حتى تابعي التابعين

فعلى سبيل المثال لا الحصر:
1- جمع الناس على إمام واحد لأداء صلاة التهجد بعد صلاة التراويح في الحرمين الشريفين وغيرهما من المساجد.
2- قراءة دعاء ختم القرآن في صلاة التراويح وكذلك في صلاة التهجد .
3- تخصيص ليلة (29) أو ليلة (27) من شهر رمضان لختم القرآن في الحرمين وغيرهما من المساجد .
4- قول المنادي بعد صلاة التراويح: (صلاة القيام أثابكم الله) .
5- إقامة أسبوع خاص بالمساجد في كل عام .
6- إقراركم لمن يقوم بتطويف الحاج والمعتمر حول الكعبة وبين الصفا والمروة .
7- القول: بأن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد ألإلوهية، وتوحيد ربوبية، وتوحيد أسماء وصفات. فهل هذا التقسيم جاء في حديث شريف، أم هو قول أحد من الصحابة أو التابعين أو تابع التابعين أو أحد الأئمة الأربعة؟!!

إلى غير ذلك مما لا يتسع المجال لذكرهِ من تخصيص هيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجامعات إسلامية، وجمعيات لتحفيظ القرآن، ومسابقات تحفيظ القرآن ,واختتام الدورة الفولانية في تحفيظ القرآن وتوزيع الجوائز ومكاتب دعوة وإرشاد، وأسابيع احتفال بالمشايخ . ومع ذلك فنحنُ لا نُنكر هذهِ الأشياء إلا أنها من البدع الحسنة التي يُنكر هؤلاء القوم على من يفعل أمثالها ثم يفعلونها .

ولله درُ القائل :-
وعين الرضا عن كلِ عيب كليلةٌ : وعين السُخطِ تبدي المساوئ
ففعلكم لهذه المُبتدعات التشريعية التي لم يفعلها الرسول rفيهِ تعارض واضح مع قاعدة من يقول: أن العبادات توقيفية وإن كل ما لم يفعلهُ الرسول (ﷺ)  وأصحابه فهو بدعة (سيئة) فلربما يكون المخالف ممن أذن لنفسهِ بالتشريع من دون الناس !!
وهنا يجب أن أقف وقفةً بسيطة حول ما يُشيعهُ المخالفين بين طلبة العلمِ والعوام من الناس وهي قولهم : ( إن العبادات توقيفية وأن كُل من يُحدثُ أمراً لم يُفعلهُ النبي صلي الله عليه وسلم ويبتغي بهِ الأجر والثواب يُعتبر من العبادات التي يُتوقف فيها )

فأقول إن كانت العبادات على هذا المفهوم أي ( توقيفية على إطلاقها ) فلماذا أحدثتم تلك الأمور التي نقلتها عنكم قبل أسطر؟ وهل ابتداعكم لها عبثاً ؟؟ أم أنكم تبتغون بهِ الأجر والثواب ؟؟؟

فاعلم أخي المسلم بورك فيك إن لله شعائر يجب تعظيمها، قال تعالى ] ومن يُعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب[
فالشعائر جمعُ شعيرة وهي تُطلق على مناسك الحج كالطواف والسعي. وتُطلق أيضاً على الأماكن التي تكون عندها العبادة كالمشعر الحرام .

فالعبادة في الأسلام : هي مطلق الطاعة والخضوع لله تعالى في تنفيذ ما شرع فرضاً كان أو نفلاً أو مباحاً بنية القربة ضمن الأصول والقيود الشرعية المتقدمة .
وتطلق الشعيرة أيضاً على كل معلم من معالم الإسلام ، عبادة كانت أو مكاناً او شخصاً أو حتى بهيمةً من البهائم يقول تعالى ] والبُدنَ جعلناها لكم من شعائر الله . [ .
فكل معلم من معالم الإسلام شعيرة ، ومن هنا يتضح الفرق بين الشعيرة والعبادة .
فالشعيرة أعم والعبادة أخص ، فكل عبادة شعيرة وليس كل شعيرة عبادة فافهم .
فالشارع أمرنا بتعظيم البيت الحرام وبناء المساجد وتعظيم النبي (ﷺ)  وتوقيرهُ ولم يأمرنا بعبادة الكعبة ولا بعبادة الرسول ولا بعبادة المساجد ولا بعبادة الصحابة والصالحين من عباد الله مع أن توقيرهم واجب واحتقارهم كُفر لأنهم يمثلون الدين .
فليس في الشريعة ما يمنع من الاستفادة من التعريف والبيان المستجدة في كل عصر ومصر بحيث لا يصطدم بحكم أو نص شرعي مُقرر وقد جاءت القاعدة الأصولية في هذا البيان أن ( الوسائل لها حُكم المقاصد ) فإذا كان المقصد شرعياً ، فلا مدخل للابتداع في مثل ذلك ، كما يثيره المُخالف .
فمن هذا المنطلق يتضح لنا أن أصل العبادات توقيفية ، فلا يصح من أي إنسان أن يُصلي الفجر مثلاً أربع ركعات أو العصر ستة ركعات , ولكن فروع العبادات المستمدة مشروعيتها من الأصول فللاجتهاد نصيب فيها ضمن القواعد الأصولية . فعلى سبيل المثال ما ذكرهُ الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء( 11/ 212) قال : ( قال عبد الله ابن الإمام احمد بن حنبل : كان أبي يُصلي في كل يوم ثلاث مئة ركعة ، فلما مرض من تلك الأوساط أضعفتهُ فكان يصلي كل يوم وليلة مئة وخمسين ركعة .
وكذلك ما رواهُ أبو نُعيم في الحلية (1/383 ) : { وكان لأبي هريرة رضي الله عنهُ خيط فيه ألف عُقدة ، لا ينام حتى يُسبح بهِ } . ومما ثبت بأسانيد صحيحة وكثيرة أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهُ خصص عشية يوم الخميس ليُحدّث عن رسول الله (ﷺ)  . رواهُ ابن أبي شيبة في المصنف ( 8/565) ، والحاكم في المستدرك (1/111 و3/314 ) والطبراني في المعجم الكبير (9/123) وغيرهم بأسانيد متعددة .
وفي الختام ارجو من كُل منصف باحث عن الحق ان يعمل بقول الله ( وإذا قلتم فأعدلوا ) وان يطرح هذهِ القضية من جميع جوانبها ويضع امام الناس وبكل امانة اقوال من خالفهُ في رايهِ من اهل العلم المعتبرين المذكورين آنفاً والذين خالفوا القول الذي يقول بهِ كما فعلنا عندما ذكرنا قول الشاطبي المخالف للسواد الأعظم من العلماء سابقاً ومن ثمّ يترك حرية الإختيار للقارئ العزيز أن يأخذ بقول من أراد من أقوال الأئمة العلماء المحدّثين السابقين أو بقول المتأخرين.
ملاحظة : معارضون للبدعة الحسنة :
إن من يستحدِث فعلا جديدا لم يرد في أفعال النبي ولا أصحابه , ويزعم أنه بدعة حسنة أراد أن يتقرب إلى الله ويتعبد بها إليه فقد وقع في محذورين:
1- تكذيب قوله تعالى: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ﴾ ، فهذا الذي يخترع شيئا جديدا يتهم الدين بأنه لم يكتمل ..
2- تكذيب قول النبي : “ليس من عمل يقرب من الجنة إلا قد أمرتكم به ، ولا من عمل يقرب إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه” , فكأنه يتهم النبي بأنه لم يبلغنا جميع ما بعث به من الخير , وخان ربه في تبليغ ما أمره به ..
 والجواب عن ذلك أن نقول بعد الاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه:
1- ما رتبتموه على دعواكم بحرمة استحداث السنن الحسنة لا يلزمنا , وليس ذنبنا أنكم أخطأتم في ترتيب النتيجة على مقدمات خاطئة ..
2- نحن لا نكذب الآية الكريمة ولا الحديث الشريف اللَّذَيْن ذكرتموهما ، بل نعتقد صحتهما ولا نخالفهما عندما نستحدث شيئا من البدع الحسنة ..


‏ وليس المقصود بالسنة الحسنة هنا، ما توهمه بعضهم من إحياء سنة مندثرة للنبي ( صلى الله عليه وسلم ). إذ لو كان المعنى كذلك لاستلزم أن تكون للنبي سنة سيئة أيضاً، نظراً إلى ما تقتضيه تتمة الحديث . وإنما المقصود استحداث أمر لم يكن من قبل، فيه خير للمسلمين 
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم

والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم

الخميس، 1 نوفمبر 2018

أول من احتفل بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم هو الملك المظفر أبو سعيد كوكوبوري وليس كما يدعي البعض أن أول من احتفل هم الفاطميون.






كثر الكلام في هذا الموضوع فخرج علينا بعض الناس الذين يدعون أنهم من أهل السلف الصالح .. والسلف الصالح برئ منهم. يقولون بان الاحتفال بمولده صلوات ربى وسلامه عليه بدعة ولا يجوز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف. وفي هذا الموضوع سنرد الأدلة التي ستنهي الجدال في هذا الموضوع وكما قلت لكم في البداية خير الكلام ماقل ودل. لذلك لن أطيل على حضراتكم. وسأذكر بعض الأدلة القليلة والتي لم يستطع أي وهابي أن يرد عليها. نبدأ على بركه الله.
بدايةً أول من احتفل بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم هو الملك المظفر أبو سعيد كوكوبوري وليس كما يقول البعض أن أول من احتفل هم الفاطميون. وارجع الى البداية والنهاية /الجزء الثالث عشر/ ثم دخلت سنة ثلاثين وستمائة
أولاً من القرآن الكريم:
1. دليل من القرآن للرّدّ عمّن يحرّمون الاحتفال بمولد خير البريّة صلّى الله عليه وسلّم. يقول الله سبحانه وتعالى في سورة يونس (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا). الله أمرنا أن نفرح يفضله ورحمته، وأيّ فضل وأيّ رحمة أنزلها الله لعباده أفضل من خلق محمّد صلّى الله عليه وسلّم وبعثته رسولاً نبيّاً للعالمين، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). إذاً فالفرح بفضل الله ورحمته أمر مذكور في القرآن، ومن رحمة الله بعثة محمّد عليه الصّلاة والسّلام، إذاً أقول أين الحرام في ذلك والمسلمون في كلّ الدّنيا يفرحون لولادة خير البريّة الّذي هو من رحمات ربّ العالمين. الحمد لله على نعمة العقل السّليم.
2. إن القرآن الكريم يثني على أولئك الذين أكرموا النبي وعظموا شأنه وبجلوه إذ يقول: (فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الأعراف 157. إن الأوصاف التي وردت في هذه الآية والتي استوجبت الثناء الإلهي هي: آمنوا به - وعزروه - ونصروه - واتبعوا النور الذى أنزل معه - فهل يحتمل أحد أن تختص هذه الجمل بزمن النبي صلى الله عليه وسلم ؟؟؟ الجواب: لا، فإن الآية لا تعني الحاضرين في زمن النبي خاصة، فعندئذ من القطعي أن لا تختص جملة (عزروه) بزمان النبي، أضف إلى ذلك أن القائد العظيم يجب أن يكون موضعاً للتكريم والاحترام والتعظيم في كل العهود والأزمنة، فهل إقامة المجالس لإحياء ذكريات: المبعث أو المولد النبوي وإنشاء الخطب والمحاضرات والقصائد والمدائح إلا مصداقاً جلياً لقوله تعالى: (وَعَزَّرُوهُ) والتي تعني أكرموه وعظموه.
3. قال سبحانه: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) المائدة 114. فسيدنا عيسى عليه السلام اتخذ نزول المائدة السماوية والبركة الإلهية عيداً لأنه سبحانه أكرمه وأكرم تلاميذه بهذه المائدة، فإذا كانت المائدة السماوية سبباً لاتخاذ يوم نزولها عيداً فلماذا لا يجوز أن نتخذ يوم المولد النبوي الذي هو يوم البركة ويوم نزول المائدة المعنوية عيداً ؟؟؟!!!! هل يستطيع أن يدعي أحد أن وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من شريعة عظيمة خالدة، أقل بركة من المائدة التي نزلت على المسيح عليه السلام وتلاميذه؟
ثانياً من السنة:
1. جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ لابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن غيلان بن جرير سمع عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سئل عن صيامه ليوم الاثنين فقال: (ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ)، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يعظم يوم مولده، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه، وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود، إذ سعد به كل موجود. وهذا في معنى الاحتفال به، إلا أن الصورة مختلفة ولكن المعنى موجود سواء كان ذلك بصيام، أو إطعام طعام، أو اجتماع على ذكر، أو صلاة على النبي، أو سماع شمائله الشريفة.
2. بنص السنة احتفال الصحابة شعراً بمولد النبي في حياته: روى البيهقي والطبراني والحاكم وذكرها القاضي عياض في الشفا، وابن القيم في الزاد، وابن كثير في السيرة أن خريم بن أوس بن حارثة بن لام يقول: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قل لا يفضض الله فاك) فأنشد يقول:
من قبلها طبت في الظلال وفي * مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر * أنت ولا نطفة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسراً وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندق علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأر * ض فضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي * ذلك النور وسبل الرشاد يخترق
قال الحافظ ابن حجر في الأمالي حديث حسن، ومن هذا الحديث نرى أن الصحابة رضى الله عنهم احتفلوا بالمولد النبوي الشريف ولكن بطريقة أخرى.
3. أن المولد اشتمل على اجتماع وذكر وصدقة، ومدح وتعظيم للجناب النبوي فهو سنة، وهذه أمور مطلوبة شرعاً وممدوحة، وجاءت الآثار الصحيحة بها وبالحث عليها. جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند قفوله من بعض غزواته، فقالت: إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها صلى الله عليه وسلم: (أوفى بنذرك) .. الحديث مشهور، ولا شك أن الضرب بالدف من أنواع الفرح، والنبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالوفاء بنذرها لما كان سبب ذلك فرحها بسلامته، فكذلك من أحدث احتفالات مباحاً عند فرحه بزمن ولادته صلى الله عليه وسلم، من غير التزام ولا نذر.
ثالثاً الإجماع ورأي علماء الأمة:
1. أن المولد أمر استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد، وجرى به العمل في كل صقع، فهو مطلوب شرعاً للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح) أخرجه أحمد. ويرى الفقهاء في أن الإجماع يصح أن يكون وجهاً شرعياً واعتباره دليلاً من أدلة الأحكام الشرعية، ودليل صحة الإجماع قوله تعالى (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً) النساء 115، يقول ابن رشيد: لأن الله توعد باتباعهم غير سبيل المؤمنين فكان أمراً واجباً باتباع سبيلهم، وبقوله صلى الله لعيه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) فالإجماع مستند إلى كتاب أو سنة أو قياس يرجع إلى أحدهما. وقد أجمع الصحابة والتابعون وتابع التابعين على مشروعية الاحتفال بالمولد. ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر رأي أبي بكر الصديق رضى الله عنه: كانت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ومراعاة لهذه المناسبة، تمنى أبو بكر أن تكون وفاته يوم الاثنين: وهذا من مراعاة المناسبات والتبرك بها، والاحتفال بالمولد النبوي من هذا المعنى. فقد روى البخاري في باب الجنائز: باب موت يوم الاثنين عن عائشة قالت: دخلت على أبى بكر رضي الله عنه فقال: في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: في ثلاث أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، وقال لها: في أي يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت يوم الاثنين. قال: فأي يوم هذا؟ قالت يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل.. الحديث. قال القسطلاني: وترجى الصدّيق رضي الله عنه أن يموت يوم الاثنين لقصد التبرك وحصول الخير، لكونه عليه السلام توفي فيه فله مزية على غيره من الأيام بهذا الاعتبار. فهل يعترض المعترضون على أبي بكر، لمراعاة هذه المناسبة؟ كما يعترضون على أصحاب الموالد الذين يراعون أيضاً هذه المناسبة؟.
2. رأي الحافظ السخاوي: "إن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة ثم لا زال أهل الإسلام لسائر الأقطار يعملون بالمولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم". المواهب اللدنية – 1 – 148 - طبعة ما يسمى المكتب الإسلامي.
3. قالَ الحافِظُ السيوطِيُّ عندَما سُئِلَ عَنْ عَمَلِ المولِدِ الشريفِ في رسالَةٍ سَمَّاها "حُسْنَ المقصِدِ في عَمَلِ المولِدِ" قالَ، واسمَعُوا جيدًا: "أَصْلُ عَمَلِ المولِدِ الذِي هو اجْتِمَاعُ الناسِ وقراءَةُ مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرءَانِ ورِوَايةُ الأخبارِ الوَارِدَةِ في مَبْدَإِ أَمْرِ النَّبِيِّ وما وَقَعَ في مَوْلِدِهِ مِنَ الآياتِ، ثُمَّ يُمَدُّ لَهُمْ سِمَاطٌ يَأْكُلونَهُ وَيَنْصَرِفُونَ مِنْ غَيرِ زِيادَةٍ على ذَلِكَ هو مِنَ البِدَعِ الحسنَةِ التِي يُثَابُ عليهَا صاحِبُهَا لِمَا فيهِ مِنْ تَعظيمِ قَدْرِ النَّبيِّ وإِظْهَارِ الفَرَحِ والاسْتِبْشَارِ بِمَوْلدِهِ الشريفِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ".
وهذا والله أعلم

حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏

كثر الكلام عن البــدعــة و حكم الاحتفال بالمولد النبوي .

وصار الكلام أشبه ما يكون بالحولية التي تقرأ في كل موسم وتنشر في كل عام حتى ملّ الناس سماع مثل هذا الكلام ، ولكن خوفاً من أن يكون ذلك كتمان للعلم نقدم هذه المشاركة في هذا الموضوع المشتقة من عدة مصادر أسأل الله العزيز القدير أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتنا ..

-ما هو المولد:
أصل عمل المولد هو اجتماع الناس لتلاوة ما تيسر من القرآن ، وقراءةما ألف من أخبار في مبدأ أمره( صلى الله عليه وسلم )، وما وقع في مولده من الآيات وبعض خصائصه وشمائله وفضائله، وإنشاد شيء من المدائح فيه ( صلى الله عليه وسلم )، ومن الرقائق التي تحرك القلوب إلى بارئها، والاستماع إلى ما يلقيه المتحدثون من مواعظ فيها لفت النظر إلى بعض مناهج الخير ، والإشادة بفضله ( صلى الله عليه وسلم ) وجهاده، وما أتم الله على يديه من إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ودلالتهم إلى الطريق المستقيم ، ثم الدعاء للحاضرين والمسلمين عامة، ثم يمد لهم سماط يأكلون منه وينصرفون .
وليس في هذا شيء يمكن أن يعترض عليه إذ ليس في أفراده ما ينكره الشرع، كما أنها تهدف إلى تعظيم قدر النبي ( صلى الله عليه وسلم )، وإظها الفرح بمولده، وشكر الله على منته تعالى على الخلق برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
فإحياء هذه الذكرى ذات هدف نبيل، وهي أسلوب غير مباشر للتذكير بما تم على يده ( صلى الله عليه وسلم ) من صنوف الخير، وسبب من أسباب استمالة القلوب واجتذاب النفوس إلى الخير .

ومن زعم أن المولد عبادة، ودندن حول ذلك فقد فاته أن هذه الذكرى أسلوب اجتماع على صفة مخصوصة يرجى منه خير ديني هو الغاية لهذه الذكرى .

فخلط بين الأسلوب وبين غايته التي لا ينكر مشروعيتها عاقل .
وما أحسن ما كتب المرحوم أنور أبو الجدايل بالعدد 5409 من جريدة "الندوة" الصادرة بتاريخ 12/3/1402 عن بعض أهداف المولد فقال عن مجالسه محبذاً لها أنها اجتماع على الخير، ولا تعدو أن تكون مجالس ذكر وتدارس لسيرته ( صلى الله عليه وسلم )، وأنها سبيل من السبل لتعريف المجتمعات به ( صلى الله عليه وسلم )، والتذكير بأهميته، وبالحق الذي جاء به وأي سبيل يسلك في سبيل ذلك هو سبيل خير .
وإن التذكير بما جاء به ( صلى الله عليه وسلم ) يبدو أكثر فائدة في هذا العصر ، لكبح جماح الدعاوي المنحرفة التي طغت على كثير من المجتمعات .
وإن الاحتفاء بذكره ( صلى الله عليه وسلم ) فيه دفع للصغار وغيرهم إلى استشعار خطر صاحب الرسالة والالتفاف حول دعوته.
وشدد الكاتب على ضمان خلو الاحتفالات من المخالفات الحقيقية، كما أن المنكرات عامة يمكن علاجها بالحكمة والموعظة الحسنة، ودعا إلى ما دعا إليه غيره من عقد مؤتمر من المعارضين والمؤيدين من علماء العالم الإسلامي المعترف بعلمهم عند شعوبهم ودولهم، وذلك سلامة لحسن الاختيار، وبعده عن الهوى، وعن شراء النفوس على أن يمكنوا من حرية المناقشة وإبداء الرأي ، وأن يكون حق الحضور مفتوحاً لمن يريد ليتبين الخطأ من الصواب" اهـ. بمضمونه.
ويرى السواد الأعظم من علماء المسلمين أن إقامة ذكرى المولد بما وصفناه ليس إحداثاً في الدين، ولا تشريعاً فيه، ولا زياد فيه، ولا مضاهاة لما وضعه الله للتعبد به، ولا يشتبه به، بل الاجتماع لذلك هو مزاولة أمر غير منهي عنه، ولا يخالف نصاً ولا أصلاً شرعياً، ويندرج تحت مصلحة مناسبة لما يحققه من أغراض دينية من الغبطة بشمائله وفضائله، والتذكير بمنة الله تعالى به ( صلى الله عليه وسلم ) على الخلائق، وبما وصل عن طريقه من الخير وغرس تعظيمه وكمال محبته، وكمال الإيمان به، وشكر الله على هذه المنة العظيمة، وإحياء القدوة الحسنة في القلوب، وكلها أغراض شرعية معتبرة .
والاجتماع لتلك الغايات، وإن لم يكن بأصله مما تعبدنا الله به، فإن نية تلك الغايات به يصير الاجتماع لذلك قربى إلى الله أسوة بسائر أعمال المسلم التي لم توضع للتعبد بها تتحول إلى قربى بالنية كما في الحديث: "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر"ولا يشترط لحصول الأجر بها إلا أن يكون الفعل أو القول غير منهي عنه .
وللقلة الشاذة التي تحرم إقامة ذكرى المولد شبه وتشكيكات:
1-منها: قولهم أنه محرم لأنه لم يفعله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا الصحابة ولا التابعون ولا تابعوهم. ولو كان خيراً لسبقونا إليه .
2-ومنها: قولهم أن المولد من العبادات التي لا بد لجواز إقامتها من ورود الإذن بها .
3-ومنها: قولهم أن كل مالم يفعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا القرون الثلاثة هو محدث الضلالة لحديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وإن التعظيم والشكر لا يتم بالإحداث في الدين .
4-ومنها: قولهم أن إقامة هذه الذكرى تعني اتخاذ يوم الميلاد عيداً لم يعتبره الشارع من الأعياد .
5-ومنها: قولهم أن إقامة هذه الذكرى فيه تشبه بالنصارى في اتخاذ ميلاد المسيح عيداً .
6-ومنها: قولهم أن تخصيص يوم مولده لإقامة هذه الذكرى هو تخصيص لا يوجد ما يقتضيه بزعم أنه لم يرد في الشرع ما يميز يومه وليلته عن سائر الأيام والليالي الأخرى .

7-ومنها: قولهم أن التعبير عن الفرح والسرور والتعظيم والشكر بولادته ( صلى الله عليه وسلم ) وغير ذلك من القاصد، يجب أن يكون في كل الأحوال لا أن تخصص له ليلة حولية من كل سنة .
8-ومنها: القيام أثناء ذكر ولادته.
9-ومنها: قولهم أن المولد يصحبه وقوع منكرات وغلو في المدائح فيحرم لسد الذرائع .
10-ومنها: شبه أخرى من هذا القبيل .
وسنناقشهم في كل ما أوردوه من شبه وتشكيكات، شبهةً شبهةً، ليتبين بإذن الله أنها تهويشات لا محل لها في ميزان العلم والعلماء .
وأسأله تعالى السداد في القول والعمل .

الشبه والتشكيكات
أولاً

قولهم: المولد ما فعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) – ما فعله الصحابة – ما فعله التابعون. ولو كان خيراً لسبقونا إليه:
قال ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" :
"إن ما تركه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مع قيام المقتضى له لا يجوز إحداثه لأن إحداثه من البدع .
قال: وأما ما رآه المسلمون من مصلحة إن كان لسبب أمر أحدث بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فهاهنا يجوز إحداث ما تدع الحاجة إليه" اهـ .
ونحن نقول وبالله التوفيق:
إن ذكرى المولد لم يكن سبب يقتضي إقامتها في عهده ( صلى الله عليه وسلم )، أو في عهد القرون الثلاثة، حتى ولا التفكير في إقامتها، وإنما حدث الموجب لإقامتها بعد ذلك حين انصرفت النفوس عن الخير .
وقد سبق القول بأن إحياء الذكرى ذات هدف نبيل، وأسلوب غير مباشر للتذكر بما تم على يده ( صلى الله عليه وسلم ) من صنوف الخير، وسبب من أسباب استمالة القلوب واجتذاب النفوس إلى الخير والصلاح .
وفي عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعهد أصحابه كانت المشخصات تغني عن الذكريات، فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعيش بين ظهراني أصحابه يتفقدهم بشخصه، ولا تلم بأحدهم شبهة إلا كشفها، ولا تنزل به غاشية إلا جلاها، ولا يحتك في صدر أي منهم نزعة أو يطرقه وسواس إلا كان عند الرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دواؤه وشفاؤه، وكان يدخل في أنفسهم، وفي مسرى مشاعرهم، ومشارب تفكيرهم، فتعمر قلوبهم بالإيمان، ونفوسهم بالسكينة، وكانوا وهم بهذا الشعور يقطعون المسافات الطويلة بقلب مطمئن ، ونفس ساكنة .
وإنه بعد لحاقه ( صلى الله عليه وسلم ) بالرفيق الأعلى ظلت أفواههم رطبة ندية بسيرته العطرة، يتنسمون منها أرواح الهدى، ويتزودون بخير الزاد .
قلوبهم عامرة مشخصة لذكره ( صلى الله عليه وسلم ) وما تم على يده مما شاهدوه بأعينهم، فكان ( صلى الله عليه وسلم ) مقياساً فصلاً في خواطرهم وآرائهم وأهوائهم ورغباتهم وخلجات نفسهم لا مكان في قلوبهم لهوى نفس .
وأنه لا سبيل بعد هذا كله أن يقال عن إقامة الذكرى: "ما فعلها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) – ما فعلها الصحابة – لو كانت خيراً لسبقونا إليه " ، اللهم إلا أن يقول ذلك من لا يعقل أن الذكريات التي تقام من أجل تحقيق تلك النتائج أو بعضها لا يفكر فيها إلا عندما تفقد المشخصات المبصرة بالعيون، أو عندما يضعف أثرها في القلوب حين يبعد العهد بها .
وكان يغني التابعين وتابعيهم عن التفكير في هذه الذكريات والحاجة إليها ما امتلأت به صدورهم من تلك السيرة العطرة ونتائجها مما شاهدوه من هدي الصحابة ومن بعدهم وما تلقوه منهم. فطبع جلهم على الصلاح لا يفارقون العلم وحلقاته، ويتنافسون في صقل نفوسهم وتزويدها بما ازدهر في عصرهم من علوم القرآن والحديث والسيرة والفقه والأخلاق .
فأنى لمثل هذه النفوس أن تفكر في إقامة الذكرى، بينما القلوب مشحونة بالاتباع، مشخصة فيها السيرة العطرة، وكأن أحداثها مبصرة بأعينهم .
وهذا بالإضافة إلى أن جو الصعيد الرسمي في العهد الأموي الذي كان يلعن فيه علي بن أبي طالب زوج فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويطارد أولادها ويقتلون: لم يكن يوحى للاحتفاء بذكرى تذكر الناس بما لهؤلاء من شأن .
وكذلك الحال في أوائل عهد الدولة العباسية يوم بدأت مطاردة أهل البيت العلوي، والجدل حول من هو أحق بميراث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الخلافة، هل هم بنو عمه أم بنو بنته فاطمة "وما كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ممن يورث ولكنه التبرير لشهوة السلطان بأي سبيل" .
ونتيجةً لتأثر المجتمع الإسلامي مما فيه من أصناف الجماعات، وما دخل عليهم من الفتن ، وإطلال الأطماع والشهوات، وتنافس الناس على شؤون الدنيا والانشغال بها: قل من تسعدهم الأوقات بدراسة القرآن الكريم، ومد أيديهم إلى الكتب للاستبصار بسيرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) والاستئناس بسيرة السلف الصالح .
وكلما تباعد الزمان ساءت الأمور ودعت الحاجة إلى ابتكار أسلوب يذكر الأمة بما هو عليه ( صلى الله عليه وسلم ) من صفات وشمائل، وما أفاض الله به من أنواع الخير كسبب للوقاية من الدعايات والمغريات التي يحارب بها أعداء الإسلام أمة الإسلام .
ولما كان أسلوب التوجيه المباشر هو أسلوب لا يقترب من النفس البشرية. لذا فاللجوء إلى الأساليب غير المباشرة أسلوب ناجح في الوصول إلى صدور الناس واستمالتهم إلى الخير والصلاح .
وانبثق عن هذا فكرة الاحتفاء بذكرى مولد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) للوصول إلى تلك النتائج إذ لا أسهل من الاجتماع في مناسبة على مجلس فيه ذكر وفيه تذكير لإيصال ما يراد إيصاله إلى أهله. وعلى هذا فلا سبيل إلى اعتراض المعترضين على الاحتفاء بهذه الذكرى .
وتنبهت الأمم الإسلامية في المشرق والمغرب إلى ما لهذا الأسلوب من آثار في الوصول إلى صدور الناس وإثارة للعواطف الكريمة التي تثيرها تلك الذكرى وما تحمله من شكر المولى عز وجل على ما من به من إيجاده ( صلى الله عليه وسلم )، وما تنميه في قلوب الأمة من تعظيم لقدر هذا النبي ( صلى الله عليه وسلم )، وإظهار الفرح والسرور بمولده والعرفان لما فاض من طلعته الميمونة في إنارة الطريق وشحن القلوب بجلاله ومحبته وتعظيمه ( صلى الله عليه وسلم )، كلما تجددت تلك الذكرى، فكان فيها جلاء لصدأ القلوب، وجلوس لمجلس خير، يتحقق فيه مبرات وصلات وذكر وقراءة قرآن وإشاعة لسيرته ( صلى الله عليه وسلم )، وكثرة صلاة وتسليم عليه، ومدحه وغرس لحبه الذي لا يتحقق الإيمان إلا به .
وحسب هذا المجلس بركة ما يشاهد فيه من امتلاء القلوب بالخشية، وتذلل الوجه بالضراعة، ورفع الأيدي بالرجاء، واشتغال الألسن بالدعاء، وانكسار النفوس بالتذلل، وصدق الآمال في أرحم الراحمين، وليس في استدرار الرحمة مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد وصعيد واحد، فلا بدع أن عم الجمع الرحمة ونال بعضهم بركة بعض، ووهب الله مسيئهم لمحسنهم، وطالحهم لصالحهم كما هو الحال في كل اجتماع شرعه الله كالوقوف بعرفات والجماعات والجمع والعيدين وغيرها، وكما هو الحال يوم المحشر الذي تزدحم فيه الخلائق فينال المؤمنين فيه بركات الرسل والأنبياء وعباد الله الصالحين .
فنهج ملوك الدول السلامية وشعوبها على المواظبة على الاحتفال بهذه الذكرى لهذه الغايات .
وكان أكثر الأمم احتفالاً بها بعد مصر : الشام الجزيرة والموصل واليمن وإفريقيا والمغرب والأندلس .
وحتى بعد قضاء صلاح الدين في سنة 567 على الدلة الفاطمية
وانصرافه إلى الاستعداد المستمر لرد غارات الصليبيين لم يحل ذلك دون مواصلة الشعب للاحتفاء بهذه الذكرى حتى إن الملك المظفر أبو سعيد ملك إربل المتوفي سنة 630 وهو أمير تابع لصلاح الدين، وصهره زوج أخته حافظ على الاحتفاء بهذه الذكرى وألف له الحافظ ابن دحية المتوفى سنة 633 حين مر على إربل سنة 604 كتاباً في المولد سماه: "التنوير في مولد البشير النذير" حسن فيه الاحتفال وأقام على ذلك وجوه الاستدلال .
واستمر عمل المولد في سائر أقطار الإسلام على مستوى الحكومات والشعوب منذ نشأت في سنة 362إلى اليوم وتطورت مظاهر الاحتفال بذكراه حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن مما سبق ذكره.
قال السخاوي: ولا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ويعملون الولائم ويتصدقون في ليلته بأنواع من الصدقات .
وليس المهم من فعله من الحكام أو الشعوب، وإنما من طالع الوفيات وكتب الطبقات والتاريخ يعلم أن القرن الرابع والخامس والسادس والسابع كان زاهراً بالعلماء، ومع ذلك لم ينقل عن أحد منهم إنكاراً على إقامته حتى جاء ابن تيمية المتوفى أوائل القرن الثامن سنة 728 فأنكر فعله شاذاً عن الجمهور .
وإن المرء يستغرب عده المولد من المحدثات الممنوعة مع ما نقلناه عنه أن للمسلمين إحداث ما تقضي به المصلحة وتدعو إليه الحاجة من الأمور التي لم يكن المقتضي لها قائماً في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا في عهد أصحابه .
فهل كان الصحابة في عهده ( صلى الله عليه وسلم ) وبعد عهده في حاجة إلى إقامة ذكريات تشحذ عزائمهم إلى الاتباع والتعظيم والمحبة وعندهم المشخصات التي شاهدوها بأعينهم، وبقيت حيةً في قلوبهم بعد وفاته ( صلى الله عليه وسلم )، تلقنها التابعون مشافهةً عملاً وعلماً .
ولم يقل بقول ابن تيمية في بدعة المولد إلا فئة تأثرت بأقواله من معاصريه وبعدهم ، كابن الحاج المتوفي سنة 733، والفاكهاني المتوفى سنة 734، والشاطبي المتوفى سنة 790 لما شبه لهم أنه عبادة وإحداث في الدين وزيادة فيه، وفاتهم أن المولد هو أسلوب اجتماعي لتحقيق أغراض دينية مشروعة، فخلطوا بين الأسلوب وبين ما قصد به من تحقيق غايات دينية مشروعة .
ولم يلتفت جماهير العلماء إلى إنكارهم بل المنقول عن جل العلماء وسوادهم الأعظم تحبيذه والتأليف فيه وحضور مجالسه .
قال أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحواد" مادحاً لهذا العمل: "وإنه يحسن ويندب إليه ويشكر فاعله ويثني عليه"اهـ .
والمهم بيانه: إن المقتضي لإقامة الاجتماع لذكرى المولد لم يكن قائماً في عهده ( صلى الله عليه وسلم ) ولا عهد أصحابه كما ذكرناه عن الصحابة ثم التابعين، من عمران القلوب بهديه ( صلى الله عليه وسلم )، حيث أغنت المشخصات عن إقامة الذكريات .
أما حين بَعُدَ العهد وانشغل الناس بالدنيا عن الدراسة والاستبصار بسيرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وصدأت القلوب، فلا حرج على من اتخذ أسلوباً للوصول إلى صدور الناس في جلاء الصدأ، وليس أنسب من اختيار يوم ميلاده لتشخيص ذكراه في القلوب، واستعراض بعض ما جاء به ترقيقاً للقلوب بأسلوب غير مباشر ، يقرب من النفس البشرية .
فلا سبيل إلى الاعتراض على الاحتفاء بهذه الذكرى لما تحققه من غاية نبيلة سبق ذكرها ... والله الهادي إلى سواء السبيل .

الشبه والتشكيكات
ثانياً

ليس المولد من العبادات التوقيفية :
اعلم أن ما شرعه الله للتعبد به لا يكون إلا بتوقيف من الشارع ولا يكون إحداث ما يشتبه به أو من جنسه إلا بدعة ضلالة إن لم يقم الدليل على إخراجه منها كإحداث أذان في العيد، أو تراويح في شعبان، أو حج إلى مكان غير الأمكنة المشروعة، أو إحداث راتبة تشبه الراتبة الشرعية إلى غير ذلك مما فيه اشتباه غير المشروع بالمشروع.
أما مالم يشرعه الله للتعبد به، ولا يشتبه به، ولا هو من جنس ما شرعه الله للتعبد به، كالمولد مثلاً فإن بعض من أخطأ في التطبيق كابن تيمية والشاطبي ومن قلدهما حاول أن يصوره بأنه من العبادات التي تحتاج إلى توقيف من الشارع ليسلكه في بدعة الضلالة ، وليس الأمر كما ادعوا، ولذا ذهب جمهور العلماء إلى جواز إقامة الاحتفاء بالمولد، وإلى نية اجتذاب النفوس إلى الخير والصلاح بواسطة التذكير بما تم على يده ( صلى الله عليه وسلم ) من صنوف الخير، والإشادة بذلك وبشمائله وفضائله، كل ذلك يجعله قربى إلى الله كسائر أعمال المسلم التي لم يتعبدنا الله بها فإن النية تصرفها إلى القربى،ولا تحتاج مزاولتها إلى توقيف من الشارع وإنما يشترط أن لا يكون العمل منهياً عنه .

ولو كان كل عمل يقصد به التقرب إلى الله يسلك في سلك العبادة التي تحتاج إلى توقيف لأصبحت جميع أعمال المسلم حتى العادات إذا قصد بها التقرب مما يحظر مزاولته إلا بتوقيف من الشارع.
ولا يقول أحد بالتسوية بين عبادة شرعها الله للتعبد بها وبين عمل لم يضع للتعبد به وإنما صرفته النية أن يكون قربى إلى الله .
فمن أطلق القول: "بأن الأصل في العبادات أن لا يشرع فيها إلا ما شرعه الله والأصل في العادات أن لا يحظر إلا ما حظره الله" فقد لبَّس على الناس، لأن العبادة التي تحتاج إلى توقيف من الشارع هي العبادة التي وضعها الشارع للتعبد بها، فلا يجوز الزيادة فيها ولا النقص أو إحداث ما يشتبه بها، بخلاف أعمال المسلم الأخرى فإنه لا يحظر فيها إلا ما حظره الله وكلها صالح لأن يكون عبادة إذا نوى فاعلها التقرب بها إلى الله .
فجعل المولد بدعة في الدين تحكم، لأنه ليس من جنس ما وضعه الله للتعبد به حتى يشتبه به ولم يدع أحد أن الله قد شرعه للتعبد، ولم يتخذه أحد ديناً يضاهي به المشروع من العبادات، ولم يوجب أحد على الناس حضوره، وإنما ينكر على من يمنع من حضوره .
فالزعم بأنه تغيير لدين الله، أو زيادة في الدين، أو اتخاذ دين لم يشرعه الله، أو إحداث في الدين ما ليس منه، أو تشريع في الدين، أو زيادة في ضروريات الدين القطعية وشعائره، إلى آخر تلك العبارات وأمثالها فكل ذلك تهويش .
إذ المولد في حقيقته نشاط اجتماعي قصد به جلاء القلوب مما أصابها من الصدأ، فكان أسلوباً غير مباشر يهدف إلى تحقيق خيرات لا محظور من إقرارها: من إطعام وصدقة وإنشاء شيء من الأشعار في المدائح النبوي والزهدية الباعثة إلى فعل الخير، بالإضافة إلى ما فيه من تلاوة وصلاة على النبي( صلى الله عليه وسلم )، وإظهار السرور بمولده، وشكر الله على إبرازه ومنته به علينا وما ينجم عن ذلك من امتلاء القلوب بالخشية وتذلل الوجوه بالضراعة ، ورفع الأيدي بالرجاء، واشتغال الألسن بالدعاء، وانكسار النفوس بالتذلل، وصدق الآمال في أرحم الراحمين .
وصرف النية إلى تحقيق هذه الأهداف يصرف هذا الاجتماع إلى قربى إلى الله شأن جميع أعمال المسلم التي لم توضع للتعبد بها تصرفها النية إلى قربى .
ومن زعم أنه تحصل منكرات في هذا الاجتماع فليوجه نقده إلى ما يحدث إن صدق لا إلى أصل الاجتماع في هذة المناسبة الكريمة الذي تتحقق فيه أعمال مشروعة وأهداف خيرة .
وبقي بعد هذا أن نبين هدفهم من جعل المولد من العبادات التي تحتاج إلى توقيف من الشارع :
فهم يريدون بادعاء ذلك التنصل من أن يطالبهم أحد بإيراد الأدلة على تحريمه وبدعيته بزعم أنه داخل في العبادات التي تحتاج إلى توقيف فلا يكون جائزاً، بل مسلوك في سلك بدع الضلالة إلا أن يسوق المجيز دليلاً على إخراجه منها كما يدعون .
وهذا الأسلوب منهم هو من باب قلب الأمور، لأن تحريم ما لم يرد تحريمه بدليل هو من أسباب الضلال. وإن من لا يملك الدليل على التحريم ينطبق عليه ما ورد فيمن حللوا وحرموا من عند أنفسهم .
أما من زاول أمراً لم يوضع للتعبد به ولا يشتبه به ولم ينه عنه فلا يقال: إنه اتخذ ديناً، ولا إنه يحتاج إلى توقيف ، وإنما تصيره النية قربى شأن جميع أعمال المسلم الأخرى التي لم يضعها الله للتعبد بها تصير قربى إن نوى بها التقرب إلى الله كما في الحديث: "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر" .
وحسب الجمهور احتياطاً في قبول الجديد بعد العهود الأولى أن يندرج تحت مصلحة مناسبة، وذلك عند عدم النص أو الإجماع، وأن لا تكون معارضة لنص أو أصل شرعي .
وإقامة ذكرى المولد لا تضاد أصلاً من أصول الشرع ولا دليلاً من دلائله .
وعلى فرض أنه من الأمور المبتدأة بعد العهود الأولى فإنه يكون من القسم المقبول بالإطلاق اللغوي .
وما يتلى فيه من ذكر مولده ومعجزاته وشمائله وفضائله مما يحيي في القلوب القدوة الحسنة والعظة ويذكر بمنة الله به ( صلى الله عليه وسلم ) على الأمة، وما وصل إليها من أنواع الخير من طريقه فيغرس ذلك كمال محبته ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكمال الإيمان به، والمحافظة على تعظيمه ( صلى الله عليه وسلم ) وشكره تعالى على هذه المنة العظيمة، وكل تلك الأمور من الضروريات التي ترجع إلى حفظ الدين ، فمن لم يجد سنداً صحيحاً ودليلاً ناهضاً على درجه في المحدث وبدعة الضلالة التي أطلقها الشرع على محدث يصادم نصاً أو أصلاً شرعياً لا على كل عمل مبتدأ لا يعارض شيئاً من ذلك فعليه أن لا يجزأ على الله بتحريم شيء لا دليل على تحريمه.
وسيأتيك في البحث التالي أنهم استدلوا على تحريمه ودرجه في بدعة الضلالة بما لا دليل فيه على ذلك .

الشبه والتشكيكات
ثالثاً

حديث كل بدعة ضلالة لا يشمل المولد:
ردد الوهابيون كثيراً حديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ، وحديث: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" على أنهما دليلان على تحريم المولد وأنه بدعة ضلالة .
وقد علمت مما سبق في بحث البدعة أنه لا دليل في الحديثين على ذلك، لأن المحدث والبدعة في الحديثين مراد بهما الاستعمال الشرعي لها وهو المحدث الذي يتعارض مع النصوص والأصول الشرعية، فذلك هو بدعة الضلالة كما أوضحه الشافعي إذ إنها بمخالفتها للنصوص والأصول الشرعية تكون خارجة عن شرعه ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى خلاف منهج تشريعه .
أما المحدث والبدعة بالإطلاق اللغوي وهو الأمر المبتدأ على غير مثال من أمور تجد على الأمة بعد العهود الأولى، فمنه المردود وهو بدعة الضلالة السابقة ، ومنه المقبول لحديث: "من سن سنةً حسنة عمل بها بعده فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة عمل بها بعده فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".
ولذا فإنه جمعاً بين الأحاديث يتضح أن الكلية في حديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" لا يشمل كل أمر مبتدأ إذا لم يعارض النصوص ولا الأصول الشرعية فإن ذلك محمود غير مذموم بنص حديث: "من سن سنة حسنةً" .
إنما تسري الكلية في حديث: "كل محدثة بدعة" على ما يسميه الشرع محدثاً باصطلاحه وعرفه، وهو الذي يعارض النصوص والأصول الشرعية، وهو بدعة الضلالة كما قلنا وهي شر كلها .
والمولد هو من القسم المقبول بالإطلاق اللغوي، لأنه لا يضاد أصلاً من مقاصد التشريع، ولا دليلاً من دلائله، بل هو مندرج تحت أصل شرعي .
ومن يزعم أنه يعارض شيئاً من النصوص أو الأصول الشرعية فعليه أن يسوقها سياقةً تدل على المطلوب لا بسرد الآيات والأحاديث التي هي بعيدة عن دعوى تحريم المولد بها أو أنه من بدع الضلالة .
وأما قولهم أن التعظيم والشكر لا يتم بالإحداث في الدين، فثبوت هذا يتوقف على ثبوت أن المولد من المحدثات الممنوعة في الدين، ودون إثبات ذلك خرط القتاد .
اللهم إلا أن يكرروا الاستدلال على ذلك بحديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وأمثاله مما بينا أنه لا دليل فيه على ذلك، فيكون الأمر منهم عوداً على بدء، وتكراراً ممجوجاً –كما هو في ديدنهم.
التويجري يسوق لتحريم المولد آيات لا دلالة فيها على ذلك :
ساق التويجري في كتابه "الرد القوي" ص 6 آيات جعلها دليلاً على تحريم الموالد وهي بعيدة عن ذلك كل البعد .
فسرد قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} ثم قال: إنها رد على من ابتدع بدعة يزيد بها في الدين ما ليس منه . اهـ .
وسبق القول أنه ليس ثمة من ادعى أن المولد أمر تعبدي، أو

دين ألزم الناس بالأخذ به، أو أوجب الاجتماع لإقامته، أو أوجب على الناس حضوره .
بل هو عندهم مزاولة نشاط اجتماعي لغايات دينية، ولم ينه عنه الشارع صيرته النية قربى بنية تحقيق تلك الغايات، شأن جميع أعمال المسلم الأخرى التي لم يضعها الله للتعبد بها تصير قربى إن نوى بها التقرب .
وسرد قوله تعالى: {وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ثم قال: والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يأمر أمته أن يتخذوا يوم مولده عيداً وقد نهاهم عن البدع وحذرهم منها .اهـ .
وأقول: ليس في الآية: {وما ءاتاكم الرسول فخذوه }دلالة على أن مالم يأمر به لا يكون إلا محرماً.
ففي حديث البخاري: " دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" ويفسره حديث البزار والطبراني بسنديهما عن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول ( صلى الله عليه وسلم ) : " ما أحل الله فى كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا" ثم تلا: {وما كان ربك نسيا }.
فرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لم يقل يا صاحب "الرد القوي" كما قلت واستنبطت : أن ما لا يأمر به الله هو محرم ، بل المعتبر أن الحرام ما ورد نص بتحريمه، أو دلت الشريعة على تحريمه باستعمال الأدلة الشرعية بلا تعسف ولا تكلف، والفرض ما دلت الشريعة على فرضيته ، والسكوت عنه يدل على العفو إلا أن يرد حكم بشأنه من نص أو إجماع أو استنباط بإحدى طرق الاستنباط المعتبرة عند الفقهاء.
وأما قولكم: إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد نهى وحذر فقد سبق أن بينا لك ولأمثالك معنى المحدث، ومعنى البدعة التي نهى الله عنها فاستفد من ذلك وكن من الشاكرين .
وسرد أيضا قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} ثم قال: ففيها تخذير مخالفة سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته .
قال: وفي الآية تهديد ووعيد لمن خالف الأمر الذي كان عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بزيادة على المشروع أو نقص عنه . فالاحتفال بليلة المولد واتخاذها عيدا لم يكن من هدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإنما هو من المحدثات ، فهو داخل فيما حذر الله منه ولو كان في الاحتفال خير لسبق إليه الصحابة .اهـ .
وأقول : لما لم يفهم الوهابيون المراد من وصفه ( صلى الله عليه وسلم ) للفرقة الناجية: "بأنها هي التي تكون على مثل ما هو عليه ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه" أكثروا في كل أمر يريدون سلكه في سلك "بدع الضلالة" من التعبيرات: "ما فعله النبي ( صلى الله عليه وسلم )، ما فعله الصحابة، ما فعله التابعون، لو كان خيرا لسبقنا إليه الصحابة".
وفرق كبير بين قوله ( صلى الله عليه وسلم ): "على مثل ما أنا عليه وأصحابي" وبين تعبيراتهم هذه.
فالأول: يعني عدم قبول ما أحدث على خلاف مناهجهم وطرقهم في استنباط الأحكام من الأدلة، أي عدم قبول ما يصادم قواعد الشرع ، فذلك هو المخالف لما هو عليه وأصحابه ، وهو الذي ليس من دينه ( صلى الله عليه وسلم )، وليس من أمره ولا سبيله ولا منهاجه ولا طريقته ولا سنته ولاشريعته.
وأما ما يرددون من عبارات فهو يعني أنه لا يقبل جديد من الحوادث مما يجد على الأمة من بعده ، وبعد الصحابة، وهذاجمود لا
يتناسب مع شمول شريعته ( صلى الله عليه وسلم ) لما كان وما سيكون من الحوادث.
فحصر السنة على ما وجد في العهود الثلاثة الأولى، وجعل ما حدث بعدها بدعة ضلالة، دون نظر إلى معارضة ذلك لقواعد الشرع أو عدم معارضته لا يذهب إليه إلا جامد متحجر.
وحري بالقلة التي أكثرت من تلك التعبيرات وزعمت أن كل جديد بعد العهود الثلاثة هو بدعة ضلالة أن تتهم بسوء الفهم وبالشذوذ.
وقد وضحنا في مبحث البدعة أن المحدث في اصطلاح الشرع وعرفه هو المحدث الذي يعارض النصوص والأصول، وهذا هو الذي ينطبق عليه: أنه المخالف لشرعه والخارج عن أمره ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته.
والآية التي سردها إنما تحذر من مثل هذا. وأما ما لا يصادم نصا ولا أصلا شرعيا، وتتحقق به مصلحة مناسبة للتشريع، فليس من المحدث المعني في حديث: " كل محدثة بدعة"، ولا في: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه رد"، وليس مذموما ولو وقع بعد العهود الثلاثة، ولا خارجا عن الشرع، ولا عن أمره ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا عن طريقته وسنته ومنهج تشريعه.
وإلى هذا القسم الإشارة بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) " من سن سنة حسنة " (الحديث).
فلا يقال في مثل هذا: إن فاعله قد خالف الأمر الذي كان عليه( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه ولا خارجا عن هديه فهو بعيد عن مفهوم الآية التي ساقها.
وسرد أيضا قوله تعالى :{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} ثم قال: فاتخاذ ليلة المولد عيدًا هو من اتباع الأولياء الذين ابتدعوا إحياء ليلة المولد.
كما سرد أيضا قوله تعالى :{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله} ثم قال: واتباعه لا يحصل إلا بالتمسك بهديه وترك ما ابتدعه المبتدعون من بعده.
وأقول :حيث لم يقم على تحريم المولد حتى الآن أي دليل ناهض، ولا أنه مخالف لهديه ( صلى الله عليه وسلم )، ولا على أنه يعارض نصا أو أصلا شرعيا، بل هو مندرج تحت مصلحة مناسبة للتشريع، فإلى أن يجد المستدل الدليل الناهض على بدعية المولد فبإمكانه حينئذ أن يستدل بالآيتين على اجتنابه لا قبل ذلك.
وعلى ضوء هذا قل لي: من هو الأحق بوصف المبتدع، هل هم السواد الأعظم من العلماء الذين تلقوا المولد بالقبول وألف فيه أو رد على منكريه منذ نشأته إلى اليوم من أمثال الحفاظ: ابن دحية وأبي شامة والعراقي وابن رجب الحنبلي والجزري وابن ناصر الدمشقي وابن حجر و السخاوي والسيوطي وملاعلى القاري وابن الديبع، وغيرهم من علماء الجامعات الإسلامية على توالي القرون في أزهر مصر، وزيتونة تونس، ومعاهد المغرب، وجُلُّ علماء المسلمين شرقا وغربا من الذين لا ينكرون على إقامة ذكرى المولد،ويحضرون مجالسه، وينافحون عن جوازه. أم الأحق بوصف الابتداع هم الفلول المحرمة له بدون برهان؟ مع قول ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين خطب بالجابية مما رواه الترمذي: "إياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد".

الشبه والتشكيكات
رابعاً

زعمهم أن إقامة ذكرى المولد هي زيادة على الأعياد المشروعة:
استدل التويجري على بدعية المولد كما في ص 39 من رده "بأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد شرع لأمته سبعة أعياد: هي يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى ويوم عرفة، وأيام التشريق الثلاثة. وأطال – كعادته بسرد النصوص الواردة في كل يوم من هه الأيام .
ثم قال في ص 192: فمن زاد على هذه الأعياد السبعة عيداً غيرها فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، والاحتفال بالمولد النبوي من الأعياد الزائدة على ذلك .
وفي ص43 قال: إذ علم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يشرع لأمته عيداً سوى السبعة الأيام فما سوى ذلك من الأعياد فهو بدعة ضلالة" اهـ.
وأقول :
أورد التويجري نصوصاً متفرقة بأن يوم الجمعة عيد مثلاً، ونصوصاً بأن يوم الفطر عيد وهكذا إلخ. السبعة أيام فكيف استنبط الحصر من هذه النصوص المتفرقة وأن ما سواها بدعة وتشريع لما لم يأذن به الله .
بل هو قد أورد فيما سرد بص 42 حديثين يدلان على خلاف ما استنبط وخلاصة ما جاء في الحديثين :
الأول: قال أنه رواه ابن جرير والطبراني في "الأوسط" أن كعباً قال لعمر رضي الله عنه: "لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية يريد :{اليوم أكملت لكم دينكم} لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، يوم الجمعة ويوم عرفة" وكلاهما بحمد الله لنا عيد .
الثاني: قال إنه رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهودياً قال لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيداً، فأجابه ابن عباس بمثل ما أجاب به عمر .
وأنت ترى أنه ليس في حديث عمر ولا ابن عباس ما يدل على إنكارهما أن يتخذ يوم نزولها عيداً، بل أخبرا أن نزولها قد صادف يوم عيدين يجتمع فيهما الناس هما يوم الجمعة ويوم عرفة .
ثم من أين للتويجري أن الاحتفال بالمولد هو من اتخاذه عيداً اللهم إلا أن يكون الجامع عنده هو الفرحة مثلاً بميلاده ( صلى الله عليه وسلم ) وبعثته وما وصل من الخير على يديه .
فإن أراد هذا فليعلم أن تلك الفرحة هي وسيلة من أُشرب قلبه حب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما له مساس برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
وليست هذه الفرحة مماتسلك الاحتفاء بالمولد في سلك الأعياد السبعة، لأن هذه الأعياد السبعة مشتملة على عبادات خصها الشارع بها. والمسلمون بحمد الله لا يدعون في المولد أنه عبادة، بل هو عندهم أمر غير ممنوع يزاوله الناس فيكون قربى بنية الفرحة به ( صلى الله عليه وسلم ) وتعظيمه،وشكر الله على ما من علينا به، وتحيق خيرات ونفع عام بواسطته، وذلك ليس خاصاً بالمولد بل هو شأن جميع أعمال المسلم التي لم يشرعها الله للتعبد بها، فإنها تصير قربى إذا نوى المرء التقرب بها.
ولذا فإن قول ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" : أن العيد "شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع لا الابتداع فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه" اهـ. محل نظر في تطبيقه على إقامة ذكرى المولد لأن أحداً لم يسلكه في سلك الأعياد التي اعتبرها الشارع لاشتمال هذه على عبادات خصها الشارع بها،ولم يدع أحد أن المولد أمر تعبدي، بل هو نشاط اجتماعي لتحقيق أغراض دينية مشروعة من الغبطة بمولده والتذكير بشمائله وفضائله ومنة الله تعالى به على الخلائق، وبما وصل من طريقه من الخير وغرس تعظيمه وكمال محبته وكمال الإيمان به، وشكر الله على المنة به وإحياء القدوة في القلوب. ونية تلك الغايات هي التي جعلت ذلك الاجتماع قربى إلى الله أسوة بسائر أعمال المسلم التي لم يشرعها الله للتعبد تتحول إلى قربى بالنية الحسنة .

الشبه والتشكيكات
خامساً

زعموا أن في إقامة المولد تشبهاً بالنصارى :
في ص 26 من كتاب "الرد القوي" للتويجري: أن في إقامة المولد تشبهاً بالنصارى وإن التشبه حرام شديد .
ولا أعلم إن كان يكفيه

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف: الأصول الشرعية، الأدلة المرعية، والرد على المخالفين

   "شهر ربيع الأنور هو النفحة العطرة التي يتجدد فيها شوق الأمة لرسولها الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم. ويبقى موضوع الاحتفال بالمولد الن...

الى من يهمه الأمر مع التحية ..