بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 1 نوفمبر 2018

حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏

كثر الكلام عن البــدعــة و حكم الاحتفال بالمولد النبوي .

وصار الكلام أشبه ما يكون بالحولية التي تقرأ في كل موسم وتنشر في كل عام حتى ملّ الناس سماع مثل هذا الكلام ، ولكن خوفاً من أن يكون ذلك كتمان للعلم نقدم هذه المشاركة في هذا الموضوع المشتقة من عدة مصادر أسأل الله العزيز القدير أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتنا ..

-ما هو المولد:
أصل عمل المولد هو اجتماع الناس لتلاوة ما تيسر من القرآن ، وقراءةما ألف من أخبار في مبدأ أمره( صلى الله عليه وسلم )، وما وقع في مولده من الآيات وبعض خصائصه وشمائله وفضائله، وإنشاد شيء من المدائح فيه ( صلى الله عليه وسلم )، ومن الرقائق التي تحرك القلوب إلى بارئها، والاستماع إلى ما يلقيه المتحدثون من مواعظ فيها لفت النظر إلى بعض مناهج الخير ، والإشادة بفضله ( صلى الله عليه وسلم ) وجهاده، وما أتم الله على يديه من إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ودلالتهم إلى الطريق المستقيم ، ثم الدعاء للحاضرين والمسلمين عامة، ثم يمد لهم سماط يأكلون منه وينصرفون .
وليس في هذا شيء يمكن أن يعترض عليه إذ ليس في أفراده ما ينكره الشرع، كما أنها تهدف إلى تعظيم قدر النبي ( صلى الله عليه وسلم )، وإظها الفرح بمولده، وشكر الله على منته تعالى على الخلق برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
فإحياء هذه الذكرى ذات هدف نبيل، وهي أسلوب غير مباشر للتذكير بما تم على يده ( صلى الله عليه وسلم ) من صنوف الخير، وسبب من أسباب استمالة القلوب واجتذاب النفوس إلى الخير .

ومن زعم أن المولد عبادة، ودندن حول ذلك فقد فاته أن هذه الذكرى أسلوب اجتماع على صفة مخصوصة يرجى منه خير ديني هو الغاية لهذه الذكرى .

فخلط بين الأسلوب وبين غايته التي لا ينكر مشروعيتها عاقل .
وما أحسن ما كتب المرحوم أنور أبو الجدايل بالعدد 5409 من جريدة "الندوة" الصادرة بتاريخ 12/3/1402 عن بعض أهداف المولد فقال عن مجالسه محبذاً لها أنها اجتماع على الخير، ولا تعدو أن تكون مجالس ذكر وتدارس لسيرته ( صلى الله عليه وسلم )، وأنها سبيل من السبل لتعريف المجتمعات به ( صلى الله عليه وسلم )، والتذكير بأهميته، وبالحق الذي جاء به وأي سبيل يسلك في سبيل ذلك هو سبيل خير .
وإن التذكير بما جاء به ( صلى الله عليه وسلم ) يبدو أكثر فائدة في هذا العصر ، لكبح جماح الدعاوي المنحرفة التي طغت على كثير من المجتمعات .
وإن الاحتفاء بذكره ( صلى الله عليه وسلم ) فيه دفع للصغار وغيرهم إلى استشعار خطر صاحب الرسالة والالتفاف حول دعوته.
وشدد الكاتب على ضمان خلو الاحتفالات من المخالفات الحقيقية، كما أن المنكرات عامة يمكن علاجها بالحكمة والموعظة الحسنة، ودعا إلى ما دعا إليه غيره من عقد مؤتمر من المعارضين والمؤيدين من علماء العالم الإسلامي المعترف بعلمهم عند شعوبهم ودولهم، وذلك سلامة لحسن الاختيار، وبعده عن الهوى، وعن شراء النفوس على أن يمكنوا من حرية المناقشة وإبداء الرأي ، وأن يكون حق الحضور مفتوحاً لمن يريد ليتبين الخطأ من الصواب" اهـ. بمضمونه.
ويرى السواد الأعظم من علماء المسلمين أن إقامة ذكرى المولد بما وصفناه ليس إحداثاً في الدين، ولا تشريعاً فيه، ولا زياد فيه، ولا مضاهاة لما وضعه الله للتعبد به، ولا يشتبه به، بل الاجتماع لذلك هو مزاولة أمر غير منهي عنه، ولا يخالف نصاً ولا أصلاً شرعياً، ويندرج تحت مصلحة مناسبة لما يحققه من أغراض دينية من الغبطة بشمائله وفضائله، والتذكير بمنة الله تعالى به ( صلى الله عليه وسلم ) على الخلائق، وبما وصل عن طريقه من الخير وغرس تعظيمه وكمال محبته، وكمال الإيمان به، وشكر الله على هذه المنة العظيمة، وإحياء القدوة الحسنة في القلوب، وكلها أغراض شرعية معتبرة .
والاجتماع لتلك الغايات، وإن لم يكن بأصله مما تعبدنا الله به، فإن نية تلك الغايات به يصير الاجتماع لذلك قربى إلى الله أسوة بسائر أعمال المسلم التي لم توضع للتعبد بها تتحول إلى قربى بالنية كما في الحديث: "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر"ولا يشترط لحصول الأجر بها إلا أن يكون الفعل أو القول غير منهي عنه .
وللقلة الشاذة التي تحرم إقامة ذكرى المولد شبه وتشكيكات:
1-منها: قولهم أنه محرم لأنه لم يفعله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا الصحابة ولا التابعون ولا تابعوهم. ولو كان خيراً لسبقونا إليه .
2-ومنها: قولهم أن المولد من العبادات التي لا بد لجواز إقامتها من ورود الإذن بها .
3-ومنها: قولهم أن كل مالم يفعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا القرون الثلاثة هو محدث الضلالة لحديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وإن التعظيم والشكر لا يتم بالإحداث في الدين .
4-ومنها: قولهم أن إقامة هذه الذكرى تعني اتخاذ يوم الميلاد عيداً لم يعتبره الشارع من الأعياد .
5-ومنها: قولهم أن إقامة هذه الذكرى فيه تشبه بالنصارى في اتخاذ ميلاد المسيح عيداً .
6-ومنها: قولهم أن تخصيص يوم مولده لإقامة هذه الذكرى هو تخصيص لا يوجد ما يقتضيه بزعم أنه لم يرد في الشرع ما يميز يومه وليلته عن سائر الأيام والليالي الأخرى .

7-ومنها: قولهم أن التعبير عن الفرح والسرور والتعظيم والشكر بولادته ( صلى الله عليه وسلم ) وغير ذلك من القاصد، يجب أن يكون في كل الأحوال لا أن تخصص له ليلة حولية من كل سنة .
8-ومنها: القيام أثناء ذكر ولادته.
9-ومنها: قولهم أن المولد يصحبه وقوع منكرات وغلو في المدائح فيحرم لسد الذرائع .
10-ومنها: شبه أخرى من هذا القبيل .
وسنناقشهم في كل ما أوردوه من شبه وتشكيكات، شبهةً شبهةً، ليتبين بإذن الله أنها تهويشات لا محل لها في ميزان العلم والعلماء .
وأسأله تعالى السداد في القول والعمل .

الشبه والتشكيكات
أولاً

قولهم: المولد ما فعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) – ما فعله الصحابة – ما فعله التابعون. ولو كان خيراً لسبقونا إليه:
قال ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" :
"إن ما تركه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مع قيام المقتضى له لا يجوز إحداثه لأن إحداثه من البدع .
قال: وأما ما رآه المسلمون من مصلحة إن كان لسبب أمر أحدث بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فهاهنا يجوز إحداث ما تدع الحاجة إليه" اهـ .
ونحن نقول وبالله التوفيق:
إن ذكرى المولد لم يكن سبب يقتضي إقامتها في عهده ( صلى الله عليه وسلم )، أو في عهد القرون الثلاثة، حتى ولا التفكير في إقامتها، وإنما حدث الموجب لإقامتها بعد ذلك حين انصرفت النفوس عن الخير .
وقد سبق القول بأن إحياء الذكرى ذات هدف نبيل، وأسلوب غير مباشر للتذكر بما تم على يده ( صلى الله عليه وسلم ) من صنوف الخير، وسبب من أسباب استمالة القلوب واجتذاب النفوس إلى الخير والصلاح .
وفي عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعهد أصحابه كانت المشخصات تغني عن الذكريات، فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعيش بين ظهراني أصحابه يتفقدهم بشخصه، ولا تلم بأحدهم شبهة إلا كشفها، ولا تنزل به غاشية إلا جلاها، ولا يحتك في صدر أي منهم نزعة أو يطرقه وسواس إلا كان عند الرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دواؤه وشفاؤه، وكان يدخل في أنفسهم، وفي مسرى مشاعرهم، ومشارب تفكيرهم، فتعمر قلوبهم بالإيمان، ونفوسهم بالسكينة، وكانوا وهم بهذا الشعور يقطعون المسافات الطويلة بقلب مطمئن ، ونفس ساكنة .
وإنه بعد لحاقه ( صلى الله عليه وسلم ) بالرفيق الأعلى ظلت أفواههم رطبة ندية بسيرته العطرة، يتنسمون منها أرواح الهدى، ويتزودون بخير الزاد .
قلوبهم عامرة مشخصة لذكره ( صلى الله عليه وسلم ) وما تم على يده مما شاهدوه بأعينهم، فكان ( صلى الله عليه وسلم ) مقياساً فصلاً في خواطرهم وآرائهم وأهوائهم ورغباتهم وخلجات نفسهم لا مكان في قلوبهم لهوى نفس .
وأنه لا سبيل بعد هذا كله أن يقال عن إقامة الذكرى: "ما فعلها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) – ما فعلها الصحابة – لو كانت خيراً لسبقونا إليه " ، اللهم إلا أن يقول ذلك من لا يعقل أن الذكريات التي تقام من أجل تحقيق تلك النتائج أو بعضها لا يفكر فيها إلا عندما تفقد المشخصات المبصرة بالعيون، أو عندما يضعف أثرها في القلوب حين يبعد العهد بها .
وكان يغني التابعين وتابعيهم عن التفكير في هذه الذكريات والحاجة إليها ما امتلأت به صدورهم من تلك السيرة العطرة ونتائجها مما شاهدوه من هدي الصحابة ومن بعدهم وما تلقوه منهم. فطبع جلهم على الصلاح لا يفارقون العلم وحلقاته، ويتنافسون في صقل نفوسهم وتزويدها بما ازدهر في عصرهم من علوم القرآن والحديث والسيرة والفقه والأخلاق .
فأنى لمثل هذه النفوس أن تفكر في إقامة الذكرى، بينما القلوب مشحونة بالاتباع، مشخصة فيها السيرة العطرة، وكأن أحداثها مبصرة بأعينهم .
وهذا بالإضافة إلى أن جو الصعيد الرسمي في العهد الأموي الذي كان يلعن فيه علي بن أبي طالب زوج فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويطارد أولادها ويقتلون: لم يكن يوحى للاحتفاء بذكرى تذكر الناس بما لهؤلاء من شأن .
وكذلك الحال في أوائل عهد الدولة العباسية يوم بدأت مطاردة أهل البيت العلوي، والجدل حول من هو أحق بميراث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الخلافة، هل هم بنو عمه أم بنو بنته فاطمة "وما كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ممن يورث ولكنه التبرير لشهوة السلطان بأي سبيل" .
ونتيجةً لتأثر المجتمع الإسلامي مما فيه من أصناف الجماعات، وما دخل عليهم من الفتن ، وإطلال الأطماع والشهوات، وتنافس الناس على شؤون الدنيا والانشغال بها: قل من تسعدهم الأوقات بدراسة القرآن الكريم، ومد أيديهم إلى الكتب للاستبصار بسيرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) والاستئناس بسيرة السلف الصالح .
وكلما تباعد الزمان ساءت الأمور ودعت الحاجة إلى ابتكار أسلوب يذكر الأمة بما هو عليه ( صلى الله عليه وسلم ) من صفات وشمائل، وما أفاض الله به من أنواع الخير كسبب للوقاية من الدعايات والمغريات التي يحارب بها أعداء الإسلام أمة الإسلام .
ولما كان أسلوب التوجيه المباشر هو أسلوب لا يقترب من النفس البشرية. لذا فاللجوء إلى الأساليب غير المباشرة أسلوب ناجح في الوصول إلى صدور الناس واستمالتهم إلى الخير والصلاح .
وانبثق عن هذا فكرة الاحتفاء بذكرى مولد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) للوصول إلى تلك النتائج إذ لا أسهل من الاجتماع في مناسبة على مجلس فيه ذكر وفيه تذكير لإيصال ما يراد إيصاله إلى أهله. وعلى هذا فلا سبيل إلى اعتراض المعترضين على الاحتفاء بهذه الذكرى .
وتنبهت الأمم الإسلامية في المشرق والمغرب إلى ما لهذا الأسلوب من آثار في الوصول إلى صدور الناس وإثارة للعواطف الكريمة التي تثيرها تلك الذكرى وما تحمله من شكر المولى عز وجل على ما من به من إيجاده ( صلى الله عليه وسلم )، وما تنميه في قلوب الأمة من تعظيم لقدر هذا النبي ( صلى الله عليه وسلم )، وإظهار الفرح والسرور بمولده والعرفان لما فاض من طلعته الميمونة في إنارة الطريق وشحن القلوب بجلاله ومحبته وتعظيمه ( صلى الله عليه وسلم )، كلما تجددت تلك الذكرى، فكان فيها جلاء لصدأ القلوب، وجلوس لمجلس خير، يتحقق فيه مبرات وصلات وذكر وقراءة قرآن وإشاعة لسيرته ( صلى الله عليه وسلم )، وكثرة صلاة وتسليم عليه، ومدحه وغرس لحبه الذي لا يتحقق الإيمان إلا به .
وحسب هذا المجلس بركة ما يشاهد فيه من امتلاء القلوب بالخشية، وتذلل الوجه بالضراعة، ورفع الأيدي بالرجاء، واشتغال الألسن بالدعاء، وانكسار النفوس بالتذلل، وصدق الآمال في أرحم الراحمين، وليس في استدرار الرحمة مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد وصعيد واحد، فلا بدع أن عم الجمع الرحمة ونال بعضهم بركة بعض، ووهب الله مسيئهم لمحسنهم، وطالحهم لصالحهم كما هو الحال في كل اجتماع شرعه الله كالوقوف بعرفات والجماعات والجمع والعيدين وغيرها، وكما هو الحال يوم المحشر الذي تزدحم فيه الخلائق فينال المؤمنين فيه بركات الرسل والأنبياء وعباد الله الصالحين .
فنهج ملوك الدول السلامية وشعوبها على المواظبة على الاحتفال بهذه الذكرى لهذه الغايات .
وكان أكثر الأمم احتفالاً بها بعد مصر : الشام الجزيرة والموصل واليمن وإفريقيا والمغرب والأندلس .
وحتى بعد قضاء صلاح الدين في سنة 567 على الدلة الفاطمية
وانصرافه إلى الاستعداد المستمر لرد غارات الصليبيين لم يحل ذلك دون مواصلة الشعب للاحتفاء بهذه الذكرى حتى إن الملك المظفر أبو سعيد ملك إربل المتوفي سنة 630 وهو أمير تابع لصلاح الدين، وصهره زوج أخته حافظ على الاحتفاء بهذه الذكرى وألف له الحافظ ابن دحية المتوفى سنة 633 حين مر على إربل سنة 604 كتاباً في المولد سماه: "التنوير في مولد البشير النذير" حسن فيه الاحتفال وأقام على ذلك وجوه الاستدلال .
واستمر عمل المولد في سائر أقطار الإسلام على مستوى الحكومات والشعوب منذ نشأت في سنة 362إلى اليوم وتطورت مظاهر الاحتفال بذكراه حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن مما سبق ذكره.
قال السخاوي: ولا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ويعملون الولائم ويتصدقون في ليلته بأنواع من الصدقات .
وليس المهم من فعله من الحكام أو الشعوب، وإنما من طالع الوفيات وكتب الطبقات والتاريخ يعلم أن القرن الرابع والخامس والسادس والسابع كان زاهراً بالعلماء، ومع ذلك لم ينقل عن أحد منهم إنكاراً على إقامته حتى جاء ابن تيمية المتوفى أوائل القرن الثامن سنة 728 فأنكر فعله شاذاً عن الجمهور .
وإن المرء يستغرب عده المولد من المحدثات الممنوعة مع ما نقلناه عنه أن للمسلمين إحداث ما تقضي به المصلحة وتدعو إليه الحاجة من الأمور التي لم يكن المقتضي لها قائماً في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا في عهد أصحابه .
فهل كان الصحابة في عهده ( صلى الله عليه وسلم ) وبعد عهده في حاجة إلى إقامة ذكريات تشحذ عزائمهم إلى الاتباع والتعظيم والمحبة وعندهم المشخصات التي شاهدوها بأعينهم، وبقيت حيةً في قلوبهم بعد وفاته ( صلى الله عليه وسلم )، تلقنها التابعون مشافهةً عملاً وعلماً .
ولم يقل بقول ابن تيمية في بدعة المولد إلا فئة تأثرت بأقواله من معاصريه وبعدهم ، كابن الحاج المتوفي سنة 733، والفاكهاني المتوفى سنة 734، والشاطبي المتوفى سنة 790 لما شبه لهم أنه عبادة وإحداث في الدين وزيادة فيه، وفاتهم أن المولد هو أسلوب اجتماعي لتحقيق أغراض دينية مشروعة، فخلطوا بين الأسلوب وبين ما قصد به من تحقيق غايات دينية مشروعة .
ولم يلتفت جماهير العلماء إلى إنكارهم بل المنقول عن جل العلماء وسوادهم الأعظم تحبيذه والتأليف فيه وحضور مجالسه .
قال أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحواد" مادحاً لهذا العمل: "وإنه يحسن ويندب إليه ويشكر فاعله ويثني عليه"اهـ .
والمهم بيانه: إن المقتضي لإقامة الاجتماع لذكرى المولد لم يكن قائماً في عهده ( صلى الله عليه وسلم ) ولا عهد أصحابه كما ذكرناه عن الصحابة ثم التابعين، من عمران القلوب بهديه ( صلى الله عليه وسلم )، حيث أغنت المشخصات عن إقامة الذكريات .
أما حين بَعُدَ العهد وانشغل الناس بالدنيا عن الدراسة والاستبصار بسيرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وصدأت القلوب، فلا حرج على من اتخذ أسلوباً للوصول إلى صدور الناس في جلاء الصدأ، وليس أنسب من اختيار يوم ميلاده لتشخيص ذكراه في القلوب، واستعراض بعض ما جاء به ترقيقاً للقلوب بأسلوب غير مباشر ، يقرب من النفس البشرية .
فلا سبيل إلى الاعتراض على الاحتفاء بهذه الذكرى لما تحققه من غاية نبيلة سبق ذكرها ... والله الهادي إلى سواء السبيل .

الشبه والتشكيكات
ثانياً

ليس المولد من العبادات التوقيفية :
اعلم أن ما شرعه الله للتعبد به لا يكون إلا بتوقيف من الشارع ولا يكون إحداث ما يشتبه به أو من جنسه إلا بدعة ضلالة إن لم يقم الدليل على إخراجه منها كإحداث أذان في العيد، أو تراويح في شعبان، أو حج إلى مكان غير الأمكنة المشروعة، أو إحداث راتبة تشبه الراتبة الشرعية إلى غير ذلك مما فيه اشتباه غير المشروع بالمشروع.
أما مالم يشرعه الله للتعبد به، ولا يشتبه به، ولا هو من جنس ما شرعه الله للتعبد به، كالمولد مثلاً فإن بعض من أخطأ في التطبيق كابن تيمية والشاطبي ومن قلدهما حاول أن يصوره بأنه من العبادات التي تحتاج إلى توقيف من الشارع ليسلكه في بدعة الضلالة ، وليس الأمر كما ادعوا، ولذا ذهب جمهور العلماء إلى جواز إقامة الاحتفاء بالمولد، وإلى نية اجتذاب النفوس إلى الخير والصلاح بواسطة التذكير بما تم على يده ( صلى الله عليه وسلم ) من صنوف الخير، والإشادة بذلك وبشمائله وفضائله، كل ذلك يجعله قربى إلى الله كسائر أعمال المسلم التي لم يتعبدنا الله بها فإن النية تصرفها إلى القربى،ولا تحتاج مزاولتها إلى توقيف من الشارع وإنما يشترط أن لا يكون العمل منهياً عنه .

ولو كان كل عمل يقصد به التقرب إلى الله يسلك في سلك العبادة التي تحتاج إلى توقيف لأصبحت جميع أعمال المسلم حتى العادات إذا قصد بها التقرب مما يحظر مزاولته إلا بتوقيف من الشارع.
ولا يقول أحد بالتسوية بين عبادة شرعها الله للتعبد بها وبين عمل لم يضع للتعبد به وإنما صرفته النية أن يكون قربى إلى الله .
فمن أطلق القول: "بأن الأصل في العبادات أن لا يشرع فيها إلا ما شرعه الله والأصل في العادات أن لا يحظر إلا ما حظره الله" فقد لبَّس على الناس، لأن العبادة التي تحتاج إلى توقيف من الشارع هي العبادة التي وضعها الشارع للتعبد بها، فلا يجوز الزيادة فيها ولا النقص أو إحداث ما يشتبه بها، بخلاف أعمال المسلم الأخرى فإنه لا يحظر فيها إلا ما حظره الله وكلها صالح لأن يكون عبادة إذا نوى فاعلها التقرب بها إلى الله .
فجعل المولد بدعة في الدين تحكم، لأنه ليس من جنس ما وضعه الله للتعبد به حتى يشتبه به ولم يدع أحد أن الله قد شرعه للتعبد، ولم يتخذه أحد ديناً يضاهي به المشروع من العبادات، ولم يوجب أحد على الناس حضوره، وإنما ينكر على من يمنع من حضوره .
فالزعم بأنه تغيير لدين الله، أو زيادة في الدين، أو اتخاذ دين لم يشرعه الله، أو إحداث في الدين ما ليس منه، أو تشريع في الدين، أو زيادة في ضروريات الدين القطعية وشعائره، إلى آخر تلك العبارات وأمثالها فكل ذلك تهويش .
إذ المولد في حقيقته نشاط اجتماعي قصد به جلاء القلوب مما أصابها من الصدأ، فكان أسلوباً غير مباشر يهدف إلى تحقيق خيرات لا محظور من إقرارها: من إطعام وصدقة وإنشاء شيء من الأشعار في المدائح النبوي والزهدية الباعثة إلى فعل الخير، بالإضافة إلى ما فيه من تلاوة وصلاة على النبي( صلى الله عليه وسلم )، وإظهار السرور بمولده، وشكر الله على إبرازه ومنته به علينا وما ينجم عن ذلك من امتلاء القلوب بالخشية وتذلل الوجوه بالضراعة ، ورفع الأيدي بالرجاء، واشتغال الألسن بالدعاء، وانكسار النفوس بالتذلل، وصدق الآمال في أرحم الراحمين .
وصرف النية إلى تحقيق هذه الأهداف يصرف هذا الاجتماع إلى قربى إلى الله شأن جميع أعمال المسلم التي لم توضع للتعبد بها تصرفها النية إلى قربى .
ومن زعم أنه تحصل منكرات في هذا الاجتماع فليوجه نقده إلى ما يحدث إن صدق لا إلى أصل الاجتماع في هذة المناسبة الكريمة الذي تتحقق فيه أعمال مشروعة وأهداف خيرة .
وبقي بعد هذا أن نبين هدفهم من جعل المولد من العبادات التي تحتاج إلى توقيف من الشارع :
فهم يريدون بادعاء ذلك التنصل من أن يطالبهم أحد بإيراد الأدلة على تحريمه وبدعيته بزعم أنه داخل في العبادات التي تحتاج إلى توقيف فلا يكون جائزاً، بل مسلوك في سلك بدع الضلالة إلا أن يسوق المجيز دليلاً على إخراجه منها كما يدعون .
وهذا الأسلوب منهم هو من باب قلب الأمور، لأن تحريم ما لم يرد تحريمه بدليل هو من أسباب الضلال. وإن من لا يملك الدليل على التحريم ينطبق عليه ما ورد فيمن حللوا وحرموا من عند أنفسهم .
أما من زاول أمراً لم يوضع للتعبد به ولا يشتبه به ولم ينه عنه فلا يقال: إنه اتخذ ديناً، ولا إنه يحتاج إلى توقيف ، وإنما تصيره النية قربى شأن جميع أعمال المسلم الأخرى التي لم يضعها الله للتعبد بها تصير قربى إن نوى بها التقرب إلى الله كما في الحديث: "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر" .
وحسب الجمهور احتياطاً في قبول الجديد بعد العهود الأولى أن يندرج تحت مصلحة مناسبة، وذلك عند عدم النص أو الإجماع، وأن لا تكون معارضة لنص أو أصل شرعي .
وإقامة ذكرى المولد لا تضاد أصلاً من أصول الشرع ولا دليلاً من دلائله .
وعلى فرض أنه من الأمور المبتدأة بعد العهود الأولى فإنه يكون من القسم المقبول بالإطلاق اللغوي .
وما يتلى فيه من ذكر مولده ومعجزاته وشمائله وفضائله مما يحيي في القلوب القدوة الحسنة والعظة ويذكر بمنة الله به ( صلى الله عليه وسلم ) على الأمة، وما وصل إليها من أنواع الخير من طريقه فيغرس ذلك كمال محبته ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكمال الإيمان به، والمحافظة على تعظيمه ( صلى الله عليه وسلم ) وشكره تعالى على هذه المنة العظيمة، وكل تلك الأمور من الضروريات التي ترجع إلى حفظ الدين ، فمن لم يجد سنداً صحيحاً ودليلاً ناهضاً على درجه في المحدث وبدعة الضلالة التي أطلقها الشرع على محدث يصادم نصاً أو أصلاً شرعياً لا على كل عمل مبتدأ لا يعارض شيئاً من ذلك فعليه أن لا يجزأ على الله بتحريم شيء لا دليل على تحريمه.
وسيأتيك في البحث التالي أنهم استدلوا على تحريمه ودرجه في بدعة الضلالة بما لا دليل فيه على ذلك .

الشبه والتشكيكات
ثالثاً

حديث كل بدعة ضلالة لا يشمل المولد:
ردد الوهابيون كثيراً حديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ، وحديث: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" على أنهما دليلان على تحريم المولد وأنه بدعة ضلالة .
وقد علمت مما سبق في بحث البدعة أنه لا دليل في الحديثين على ذلك، لأن المحدث والبدعة في الحديثين مراد بهما الاستعمال الشرعي لها وهو المحدث الذي يتعارض مع النصوص والأصول الشرعية، فذلك هو بدعة الضلالة كما أوضحه الشافعي إذ إنها بمخالفتها للنصوص والأصول الشرعية تكون خارجة عن شرعه ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى خلاف منهج تشريعه .
أما المحدث والبدعة بالإطلاق اللغوي وهو الأمر المبتدأ على غير مثال من أمور تجد على الأمة بعد العهود الأولى، فمنه المردود وهو بدعة الضلالة السابقة ، ومنه المقبول لحديث: "من سن سنةً حسنة عمل بها بعده فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة عمل بها بعده فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".
ولذا فإنه جمعاً بين الأحاديث يتضح أن الكلية في حديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" لا يشمل كل أمر مبتدأ إذا لم يعارض النصوص ولا الأصول الشرعية فإن ذلك محمود غير مذموم بنص حديث: "من سن سنة حسنةً" .
إنما تسري الكلية في حديث: "كل محدثة بدعة" على ما يسميه الشرع محدثاً باصطلاحه وعرفه، وهو الذي يعارض النصوص والأصول الشرعية، وهو بدعة الضلالة كما قلنا وهي شر كلها .
والمولد هو من القسم المقبول بالإطلاق اللغوي، لأنه لا يضاد أصلاً من مقاصد التشريع، ولا دليلاً من دلائله، بل هو مندرج تحت أصل شرعي .
ومن يزعم أنه يعارض شيئاً من النصوص أو الأصول الشرعية فعليه أن يسوقها سياقةً تدل على المطلوب لا بسرد الآيات والأحاديث التي هي بعيدة عن دعوى تحريم المولد بها أو أنه من بدع الضلالة .
وأما قولهم أن التعظيم والشكر لا يتم بالإحداث في الدين، فثبوت هذا يتوقف على ثبوت أن المولد من المحدثات الممنوعة في الدين، ودون إثبات ذلك خرط القتاد .
اللهم إلا أن يكرروا الاستدلال على ذلك بحديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وأمثاله مما بينا أنه لا دليل فيه على ذلك، فيكون الأمر منهم عوداً على بدء، وتكراراً ممجوجاً –كما هو في ديدنهم.
التويجري يسوق لتحريم المولد آيات لا دلالة فيها على ذلك :
ساق التويجري في كتابه "الرد القوي" ص 6 آيات جعلها دليلاً على تحريم الموالد وهي بعيدة عن ذلك كل البعد .
فسرد قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} ثم قال: إنها رد على من ابتدع بدعة يزيد بها في الدين ما ليس منه . اهـ .
وسبق القول أنه ليس ثمة من ادعى أن المولد أمر تعبدي، أو

دين ألزم الناس بالأخذ به، أو أوجب الاجتماع لإقامته، أو أوجب على الناس حضوره .
بل هو عندهم مزاولة نشاط اجتماعي لغايات دينية، ولم ينه عنه الشارع صيرته النية قربى بنية تحقيق تلك الغايات، شأن جميع أعمال المسلم الأخرى التي لم يضعها الله للتعبد بها تصير قربى إن نوى بها التقرب .
وسرد قوله تعالى: {وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ثم قال: والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يأمر أمته أن يتخذوا يوم مولده عيداً وقد نهاهم عن البدع وحذرهم منها .اهـ .
وأقول: ليس في الآية: {وما ءاتاكم الرسول فخذوه }دلالة على أن مالم يأمر به لا يكون إلا محرماً.
ففي حديث البخاري: " دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" ويفسره حديث البزار والطبراني بسنديهما عن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول ( صلى الله عليه وسلم ) : " ما أحل الله فى كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا" ثم تلا: {وما كان ربك نسيا }.
فرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لم يقل يا صاحب "الرد القوي" كما قلت واستنبطت : أن ما لا يأمر به الله هو محرم ، بل المعتبر أن الحرام ما ورد نص بتحريمه، أو دلت الشريعة على تحريمه باستعمال الأدلة الشرعية بلا تعسف ولا تكلف، والفرض ما دلت الشريعة على فرضيته ، والسكوت عنه يدل على العفو إلا أن يرد حكم بشأنه من نص أو إجماع أو استنباط بإحدى طرق الاستنباط المعتبرة عند الفقهاء.
وأما قولكم: إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد نهى وحذر فقد سبق أن بينا لك ولأمثالك معنى المحدث، ومعنى البدعة التي نهى الله عنها فاستفد من ذلك وكن من الشاكرين .
وسرد أيضا قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} ثم قال: ففيها تخذير مخالفة سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته .
قال: وفي الآية تهديد ووعيد لمن خالف الأمر الذي كان عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بزيادة على المشروع أو نقص عنه . فالاحتفال بليلة المولد واتخاذها عيدا لم يكن من هدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإنما هو من المحدثات ، فهو داخل فيما حذر الله منه ولو كان في الاحتفال خير لسبق إليه الصحابة .اهـ .
وأقول : لما لم يفهم الوهابيون المراد من وصفه ( صلى الله عليه وسلم ) للفرقة الناجية: "بأنها هي التي تكون على مثل ما هو عليه ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه" أكثروا في كل أمر يريدون سلكه في سلك "بدع الضلالة" من التعبيرات: "ما فعله النبي ( صلى الله عليه وسلم )، ما فعله الصحابة، ما فعله التابعون، لو كان خيرا لسبقنا إليه الصحابة".
وفرق كبير بين قوله ( صلى الله عليه وسلم ): "على مثل ما أنا عليه وأصحابي" وبين تعبيراتهم هذه.
فالأول: يعني عدم قبول ما أحدث على خلاف مناهجهم وطرقهم في استنباط الأحكام من الأدلة، أي عدم قبول ما يصادم قواعد الشرع ، فذلك هو المخالف لما هو عليه وأصحابه ، وهو الذي ليس من دينه ( صلى الله عليه وسلم )، وليس من أمره ولا سبيله ولا منهاجه ولا طريقته ولا سنته ولاشريعته.
وأما ما يرددون من عبارات فهو يعني أنه لا يقبل جديد من الحوادث مما يجد على الأمة من بعده ، وبعد الصحابة، وهذاجمود لا
يتناسب مع شمول شريعته ( صلى الله عليه وسلم ) لما كان وما سيكون من الحوادث.
فحصر السنة على ما وجد في العهود الثلاثة الأولى، وجعل ما حدث بعدها بدعة ضلالة، دون نظر إلى معارضة ذلك لقواعد الشرع أو عدم معارضته لا يذهب إليه إلا جامد متحجر.
وحري بالقلة التي أكثرت من تلك التعبيرات وزعمت أن كل جديد بعد العهود الثلاثة هو بدعة ضلالة أن تتهم بسوء الفهم وبالشذوذ.
وقد وضحنا في مبحث البدعة أن المحدث في اصطلاح الشرع وعرفه هو المحدث الذي يعارض النصوص والأصول، وهذا هو الذي ينطبق عليه: أنه المخالف لشرعه والخارج عن أمره ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته.
والآية التي سردها إنما تحذر من مثل هذا. وأما ما لا يصادم نصا ولا أصلا شرعيا، وتتحقق به مصلحة مناسبة للتشريع، فليس من المحدث المعني في حديث: " كل محدثة بدعة"، ولا في: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه رد"، وليس مذموما ولو وقع بعد العهود الثلاثة، ولا خارجا عن الشرع، ولا عن أمره ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا عن طريقته وسنته ومنهج تشريعه.
وإلى هذا القسم الإشارة بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) " من سن سنة حسنة " (الحديث).
فلا يقال في مثل هذا: إن فاعله قد خالف الأمر الذي كان عليه( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه ولا خارجا عن هديه فهو بعيد عن مفهوم الآية التي ساقها.
وسرد أيضا قوله تعالى :{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} ثم قال: فاتخاذ ليلة المولد عيدًا هو من اتباع الأولياء الذين ابتدعوا إحياء ليلة المولد.
كما سرد أيضا قوله تعالى :{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله} ثم قال: واتباعه لا يحصل إلا بالتمسك بهديه وترك ما ابتدعه المبتدعون من بعده.
وأقول :حيث لم يقم على تحريم المولد حتى الآن أي دليل ناهض، ولا أنه مخالف لهديه ( صلى الله عليه وسلم )، ولا على أنه يعارض نصا أو أصلا شرعيا، بل هو مندرج تحت مصلحة مناسبة للتشريع، فإلى أن يجد المستدل الدليل الناهض على بدعية المولد فبإمكانه حينئذ أن يستدل بالآيتين على اجتنابه لا قبل ذلك.
وعلى ضوء هذا قل لي: من هو الأحق بوصف المبتدع، هل هم السواد الأعظم من العلماء الذين تلقوا المولد بالقبول وألف فيه أو رد على منكريه منذ نشأته إلى اليوم من أمثال الحفاظ: ابن دحية وأبي شامة والعراقي وابن رجب الحنبلي والجزري وابن ناصر الدمشقي وابن حجر و السخاوي والسيوطي وملاعلى القاري وابن الديبع، وغيرهم من علماء الجامعات الإسلامية على توالي القرون في أزهر مصر، وزيتونة تونس، ومعاهد المغرب، وجُلُّ علماء المسلمين شرقا وغربا من الذين لا ينكرون على إقامة ذكرى المولد،ويحضرون مجالسه، وينافحون عن جوازه. أم الأحق بوصف الابتداع هم الفلول المحرمة له بدون برهان؟ مع قول ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين خطب بالجابية مما رواه الترمذي: "إياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد".

الشبه والتشكيكات
رابعاً

زعمهم أن إقامة ذكرى المولد هي زيادة على الأعياد المشروعة:
استدل التويجري على بدعية المولد كما في ص 39 من رده "بأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد شرع لأمته سبعة أعياد: هي يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى ويوم عرفة، وأيام التشريق الثلاثة. وأطال – كعادته بسرد النصوص الواردة في كل يوم من هه الأيام .
ثم قال في ص 192: فمن زاد على هذه الأعياد السبعة عيداً غيرها فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، والاحتفال بالمولد النبوي من الأعياد الزائدة على ذلك .
وفي ص43 قال: إذ علم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يشرع لأمته عيداً سوى السبعة الأيام فما سوى ذلك من الأعياد فهو بدعة ضلالة" اهـ.
وأقول :
أورد التويجري نصوصاً متفرقة بأن يوم الجمعة عيد مثلاً، ونصوصاً بأن يوم الفطر عيد وهكذا إلخ. السبعة أيام فكيف استنبط الحصر من هذه النصوص المتفرقة وأن ما سواها بدعة وتشريع لما لم يأذن به الله .
بل هو قد أورد فيما سرد بص 42 حديثين يدلان على خلاف ما استنبط وخلاصة ما جاء في الحديثين :
الأول: قال أنه رواه ابن جرير والطبراني في "الأوسط" أن كعباً قال لعمر رضي الله عنه: "لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية يريد :{اليوم أكملت لكم دينكم} لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، يوم الجمعة ويوم عرفة" وكلاهما بحمد الله لنا عيد .
الثاني: قال إنه رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهودياً قال لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيداً، فأجابه ابن عباس بمثل ما أجاب به عمر .
وأنت ترى أنه ليس في حديث عمر ولا ابن عباس ما يدل على إنكارهما أن يتخذ يوم نزولها عيداً، بل أخبرا أن نزولها قد صادف يوم عيدين يجتمع فيهما الناس هما يوم الجمعة ويوم عرفة .
ثم من أين للتويجري أن الاحتفال بالمولد هو من اتخاذه عيداً اللهم إلا أن يكون الجامع عنده هو الفرحة مثلاً بميلاده ( صلى الله عليه وسلم ) وبعثته وما وصل من الخير على يديه .
فإن أراد هذا فليعلم أن تلك الفرحة هي وسيلة من أُشرب قلبه حب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما له مساس برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
وليست هذه الفرحة مماتسلك الاحتفاء بالمولد في سلك الأعياد السبعة، لأن هذه الأعياد السبعة مشتملة على عبادات خصها الشارع بها. والمسلمون بحمد الله لا يدعون في المولد أنه عبادة، بل هو عندهم أمر غير ممنوع يزاوله الناس فيكون قربى بنية الفرحة به ( صلى الله عليه وسلم ) وتعظيمه،وشكر الله على ما من علينا به، وتحيق خيرات ونفع عام بواسطته، وذلك ليس خاصاً بالمولد بل هو شأن جميع أعمال المسلم التي لم يشرعها الله للتعبد بها، فإنها تصير قربى إذا نوى المرء التقرب بها.
ولذا فإن قول ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" : أن العيد "شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع لا الابتداع فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه" اهـ. محل نظر في تطبيقه على إقامة ذكرى المولد لأن أحداً لم يسلكه في سلك الأعياد التي اعتبرها الشارع لاشتمال هذه على عبادات خصها الشارع بها،ولم يدع أحد أن المولد أمر تعبدي، بل هو نشاط اجتماعي لتحقيق أغراض دينية مشروعة من الغبطة بمولده والتذكير بشمائله وفضائله ومنة الله تعالى به على الخلائق، وبما وصل من طريقه من الخير وغرس تعظيمه وكمال محبته وكمال الإيمان به، وشكر الله على المنة به وإحياء القدوة في القلوب. ونية تلك الغايات هي التي جعلت ذلك الاجتماع قربى إلى الله أسوة بسائر أعمال المسلم التي لم يشرعها الله للتعبد تتحول إلى قربى بالنية الحسنة .

الشبه والتشكيكات
خامساً

زعموا أن في إقامة المولد تشبهاً بالنصارى :
في ص 26 من كتاب "الرد القوي" للتويجري: أن في إقامة المولد تشبهاً بالنصارى وإن التشبه حرام شديد .
ولا أعلم إن كان يكفيه

حديث كل بدعة ضلالة لا يشمل المولد:



ردد اأدعياء السلفية كثيراً حديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ، وحديث: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" على أنهما دليلان على تحريم المولد وأنه بدعة ضلالة .وقد علمت مما سبق في بحث البدعة أنه لا دليل في الحديثين على ذلك، لأن المحدث والبدعة في الحديثين مراد بهما الاستعمال الشرعي لها وهو المحدث الذي يتعارض مع النصوص والأصول الشرعية، فذلك هو بدعة الضلالة كما أوضحه الشافعي إذ إنها بمخالفتها للنصوص والأصول الشرعية تكون خارجة عن شرعه ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى خلاف منهج تشريعه .
أما المحدث والبدعة بالإطلاق اللغوي وهو الأمر المبتدأ على غير مثال من أمور تجد على الأمة بعد العهود الأولى، فمنه المردود وهو بدعة الضلالة السابقة ، ومنه المقبول لحديث: "من سن سنةً حسنة عمل بها بعده فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة عمل بها بعده فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".
ولذا فإنه جمعاً بين الأحاديث يتضح أن الكلية في حديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" لا يشمل كل أمر مبتدأ إذا لم يعارض النصوص ولا الأصول الشرعية فإن ذلك محمود غير مذموم بنص حديث: "من سن سنة حسنةً" .
إنما تسري الكلية في حديث: "كل محدثة بدعة" على ما يسميه الشرع محدثاً باصطلاحه وعرفه، وهو الذي يعارض النصوص والأصول الشرعية، وهو بدعة الضلالة كما قلنا وهي شر كلها .
والمولد هو من القسم المقبول بالإطلاق اللغوي، لأنه لا يضاد أصلاً من مقاصد التشريع، ولا دليلاً من دلائله، بل هو مندرج تحت أصل شرعي .
ومن يزعم أنه يعارض شيئاً من النصوص أو الأصول الشرعية فعليه أن يسوقها سياقةً تدل على المطلوب لا بسرد الآيات والأحاديث التي هي بعيدة عن دعوى تحريم المولد بها أو أنه من بدع الضلالة .
وأما قولهم أن التعظيم والشكر لا يتم بالإحداث في الدين، فثبوت هذا يتوقف على ثبوت أن المولد من المحدثات الممنوعة في الدين، ودون إثبات ذلك خرط القتاد .
اللهم إلا أن يكرروا الاستدلال على ذلك بحديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وأمثاله مما بينا أنه لا دليل فيه على ذلك، فيكون الأمر منهم عوداً على بدء، وتكراراً ممجوجاً –كما هو في ديدنهم.
التويجري يسوق لتحريم المولد آيات لا دلالة فيها على ذلك :
ساق التويجري في كتابه "الرد القوي" ص 6 آيات جعلها دليلاً على تحريم الموالد وهي بعيدة عن ذلك كل البعد .
فسرد قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} ثم قال: إنها رد على من ابتدع بدعة يزيد بها في الدين ما ليس منه . اهـ .
وسبق القول أنه ليس ثمة من ادعى أن المولد أمر تعبدي، أو
دين ألزم الناس بالأخذ به، أو أوجب الاجتماع لإقامته، أو أوجب على الناس حضوره .
بل هو عندهم مزاولة نشاط اجتماعي لغايات دينية، ولم ينه عنه الشارع صيرته النية قربى بنية تحقيق تلك الغايات، شأن جميع أعمال المسلم الأخرى التي لم يضعها الله للتعبد بها تصير قربى إن نوى بها التقرب .
وسرد قوله تعالى: {وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ثم قال: والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يأمر أمته أن يتخذوا يوم مولده عيداً وقد نهاهم عن البدع وحذرهم منها .اهـ .
وأقول: ليس في الآية: {وما ءاتاكم الرسول فخذوه }دلالة على أن مالم يأمر به لا يكون إلا محرماً.
ففي حديث البخاري: " دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" ويفسره حديث البزار والطبراني بسنديهما عن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول ( صلى الله عليه وسلم ) : " ما أحل الله فى كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا" ثم تلا: {وما كان ربك نسيا }.
فرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لم يقل يا صاحب "الرد القوي" كما قلت واستنبطت : أن ما لا يأمر به الله هو محرم ، بل المعتبر أن الحرام ما ورد نص بتحريمه، أو دلت الشريعة على تحريمه باستعمال الأدلة الشرعية بلا تعسف ولا تكلف، والفرض ما دلت الشريعة على فرضيته ، والسكوت عنه يدل على العفو إلا أن يرد حكم بشأنه من نص أو إجماع أو استنباط بإحدى طرق الاستنباط المعتبرة عند الفقهاء.
وأما قولكم: إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد نهى وحذر فقد سبق أن بينا لك ولأمثالك معنى المحدث، ومعنى البدعة التي نهى الله عنها فاستفد من ذلك وكن من الشاكرين .
وسرد أيضا قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} ثم قال: ففيها تخذير مخالفة سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته .
قال: وفي الآية تهديد ووعيد لمن خالف الأمر الذي كان عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بزيادة على المشروع أو نقص عنه . فالاحتفال بليلة المولد واتخاذها عيدا لم يكن من هدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإنما هو من المحدثات ، فهو داخل فيما حذر الله منه ولو كان في الاحتفال خير لسبق إليه الصحابة .اهـ .
وأقول : لما لم يفهم الوهابيون المراد من وصفه ( صلى الله عليه وسلم ) للفرقة الناجية: "بأنها هي التي تكون على مثل ما هو عليه ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه" أكثروا في كل أمر يريدون سلكه في سلك "بدع الضلالة" من التعبيرات: "ما فعله النبي ( صلى الله عليه وسلم )، ما فعله الصحابة، ما فعله التابعون، لو كان خيرا لسبقنا إليه الصحابة".
وفرق كبير بين قوله ( صلى الله عليه وسلم ): "على مثل ما أنا عليه وأصحابي" وبين تعبيراتهم هذه.
فالأول: يعني عدم قبول ما أحدث على خلاف مناهجهم وطرقهم في استنباط الأحكام من الأدلة، أي عدم قبول ما يصادم قواعد الشرع ، فذلك هو المخالف لما هو عليه وأصحابه ، وهو الذي ليس من دينه ( صلى الله عليه وسلم )، وليس من أمره ولا سبيله ولا منهاجه ولا طريقته ولا سنته ولاشريعته.
وأما ما يرددون من عبارات فهو يعني أنه لا يقبل جديد من الحوادث مما يجد على الأمة من بعده ، وبعد الصحابة، وهذاجمود لا
يتناسب مع شمول شريعته ( صلى الله عليه وسلم ) لما كان وما سيكون من الحوادث.
فحصر السنة على ما وجد في العهود الثلاثة الأولى، وجعل ما حدث بعدها بدعة ضلالة، دون نظر إلى معارضة ذلك لقواعد الشرع أو عدم معارضته لا يذهب إليه إلا جامد متحجر.
وحري بالقلة التي أكثرت من تلك التعبيرات وزعمت أن كل جديد بعد العهود الثلاثة هو بدعة ضلالة أن تتهم بسوء الفهم وبالشذوذ.
وقد وضحنا في مبحث البدعة أن المحدث في اصطلاح الشرع وعرفه هو المحدث الذي يعارض النصوص والأصول، وهذا هو الذي ينطبق عليه: أنه المخالف لشرعه والخارج عن أمره ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته.
والآية التي سردها إنما تحذر من مثل هذا. وأما ما لا يصادم نصا ولا أصلا شرعيا، وتتحقق به مصلحة مناسبة للتشريع، فليس من المحدث المعني في حديث: " كل محدثة بدعة"، ولا في: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه رد"، وليس مذموما ولو وقع بعد العهود الثلاثة، ولا خارجا عن الشرع، ولا عن أمره ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا عن طريقته وسنته ومنهج تشريعه.
وإلى هذا القسم الإشارة بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) " من سن سنة حسنة " (الحديث).
فلا يقال في مثل هذا: إن فاعله قد خالف الأمر الذي كان عليه( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه ولا خارجا عن هديه فهو بعيد عن مفهوم الآية التي ساقها.
وسرد أيضا قوله تعالى :{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} ثم قال: فاتخاذ ليلة المولد عيدًا هو من اتباع الأولياء الذين ابتدعوا إحياء ليلة المولد.
كما سرد أيضا قوله تعالى :{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله} ثم قال: واتباعه لا يحصل إلا بالتمسك بهديه وترك ما ابتدعه المبتدعون من بعده.
وأقول :حيث لم يقم على تحريم المولد حتى الآن أي دليل ناهض، ولا أنه مخالف لهديه ( صلى الله عليه وسلم )، ولا على أنه يعارض نصا أو أصلا شرعيا، بل هو مندرج تحت مصلحة مناسبة للتشريع، فإلى أن يجد المستدل الدليل الناهض على بدعية المولد فبإمكانه حينئذ أن يستدل بالآيتين على اجتنابه لا قبل ذلك.
وعلى ضوء هذا قل لي: من هو الأحق بوصف المبتدع، هل هم السواد الأعظم من العلماء الذين تلقوا المولد بالقبول وألف فيه أو رد على منكريه منذ نشأته إلى اليوم من أمثال الحفاظ: ابن دحية وأبي شامة والعراقي وابن رجب الحنبلي والجزري وابن ناصر الدمشقي وابن حجر و السخاوي والسيوطي وملاعلى القاري وابن الديبع، وغيرهم من علماء الجامعات الإسلامية على توالي القرون في أزهر مصر، وزيتونة تونس، ومعاهد المغرب، وجُلُّ علماء المسلمين شرقا وغربا من الذين لا ينكرون على إقامة ذكرى المولد،ويحضرون مجالسه، وينافحون عن جوازه. أم الأحق بوصف الابتداع هم الفلول المحرمة له بدون برهان؟ مع قول ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين خطب بالجابية مما رواه الترمذي: "إياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد".

الأربعاء، 31 أكتوبر 2018

حكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي


حكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي 
أولا: أدلة القائلين ببدعية الاحتفال بذكرى المولد النبوي
ثانيا: ردود مجيزي الاحتفال بالمولد النبوي وأدلتهم
خلاصة 



بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
انقسم العلماء في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف إلى فريقين متعارضين، الأول يقول ببدعيته، والثاني يحكم أن هذا الاحتفال مباح، ومأجور مقيمه. ولكل من الفريقين دفوعات وأدلة يستند إليها.
أولا: أدلة القائلين ببدعية الاحتفال بذكرى المولد النبوي
أفتى ثلة من أجلة العلماء بعدم جواز الاحتفال بالمولد النبوي، من جملتهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الشاطبي، وابن الحاج المالكي، والشيخ ابن باز، وغيرهم من الأئمة رحمهم الله. ويستندون في ذلك الحكم إلى مجموعة من الأدلة نجملها في النقاط التالية:
1- أن الاحتفال بالمولد لا أصل له في الكتاب والسنة، ولم يقمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا أحد في القرون الثلاثة الفاضلة. قال العلامة الفاكهاني: "ولا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة" [1]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنّ هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف ـ رضي الله عنهم ـ أحقّ به منّا، فإنّهم كانوا أشدّ محبّة لرسول الله (صلّى الله عليه وسلم) وتعظيماً له منّا، وهم على الخير أحرص" [2].
2- ويتفرع عن الدليل الأول حجة المانعين الثانية القائلين فيها أن المولد بدعة محدثة، قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا غيره؛ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا غيرهم من الصحابة- رضوان الله على الجميع- ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، وهم أعلم الناس بالسنة، وأكمل حباً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومتابعة لشرعه ممن بعدهم" [3].
3- أن إقامة المولد تشبه بدين النصارى، الذين يحتفلون بعيد ميلاد المسيح عليه السلام، وقد نهينا عن التشبه بهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: "ومن تشبه بقوم فهو منهم" [4].
4- أن الفرح بهذا وإظهار السرور، فيه قدح في محبة العبد لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، إذ هذا اليوم باتفاق هو اليوم الذي توفي فيه النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يفرح فيه. ويقول ابن الحاج: "ثم العجب العجيب كيف يعملون المولد للمغاني والفرح والسرور لأجل مولده عليه الصلاة والسلام كما تقدم في هذا الشهر الكريم وهو عليه الصلاة والسلام فيه انتقل إلى كرامة ربه عز وجل وفجعت الأمة فيه وأصيبت بمصاب عظيم لا يعدل ذلك غيرها من المصائب أبداً فعلى هذا كان يتعين البكاء والحزن الكثير وانفراد كل إنسان بنفسه لما أصيب به" [5].
5- اشتمال هذه الموالد على كثير من الكبائر وعظائم الأمور والتي يجد فيها أصحاب الشهوات بغيتهم مثل: الطرب والغناء الماجنين واختلاط الرجال بالنساء، وتناول المحرمات. قال العلامة سيدي محمد البناني في معرض حديثه عن إبطال الإيصاء بالمعصية: "أَوْ يُوصِيَ بِإِقَامَةِ مَوْلِدٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقَعُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ مِنْ اخْتِلَاطِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَالنَّظَرِ لِلْمُحَرَّمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرِ" [6].
6- تخصيص المولد بيوم للاحتفال به بدعة، يقول صالح الفوزان: "إن عموم الدليل يقتضي أن تكون جميع الأيام بالنسبة للاحتفال سواسية، فتخصيص يوم واحد في جميع البلاد بالاحتفال بدعة، وإن لم يكن أصل العمل بدعة" [7].
7- أن الاحتفال بالمولد هو من الغلو في الدين، إذ يرفع بعض المحتفلون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مرتبة الألوهية[8].
8- أن العبادات مبنية على التوقيف من الشارع، ولا مجال فيها للاجتهاد.
ثانيا: ردود مجيزي الاحتفال بالمولد النبوي وأدلتهم
أجاز جمهور من أكابر العلماء الاحتفال بذكرى المولد النبوي، ومن بينهم شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، والحافظ السيوطي، والحافظ السخاوي، وابن عاشر المالكي، وابن مرزوق، والشيخ سعيد حوى، والشيخ يوسف القرضاوي، وغيرهم من علماء الأمة. ويجيبون على أدلة المانعين بما يلي:
1- ترك النبي لا يدل على التحريم؛ فإنه من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المندوبات والمباحات، لذلك تحريم كل ما تركه لا يعد مقبولا وسائغا، حيث لا يحق لأحد أن يحرم على نفسه أو على غيره "إلا بدليل صحيح واضح، وإلا فهو معتد ومبتدع ومتنطع" [9] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" يؤيد هذا، إذ لم يقل: وإذا تركت شيئا فاتركوه، وهذا دليل على أن ما تركه النبي ولم يفعله يبقى على أصله؛ وهو الإباحة؛ ولو قلنا بحرمة كل متروكات النبي لضيقنا دائرة الإباحة ووسعنا دائرة التحريم، وهذا عين المشقة ورأس الحرج الذي نفاهما الله عن هذا الدين القائم على التيسير.
ولذلك يقول المستشار فيصل مولوي: "إن ذلك (أي الاحتفال بالمولد النبوي) جائز شرعاً ولو لم يكن له أصل بمعنى أنّه لم يحتفل به الصحابة والتابعون ولا تابعو التابعين من أهل الفقه في الدين وهم خير القرون" [10].
2- ولا يصح الاستدلال بعدم احتفال الصحابة رضي الله عنهم بالمولد النبوي على عدم جواز ذلك، لأنهم رضي الله عنهم عاشوا تلك الأحداث بالفعل كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "وكانوا يحيون مع الرسول صلى الله عليه وسلم، كان الرسول صلى الله عليه وسلم حياً في ضمائرهم، لم يغب عن وعيهم، كان سعد بن أبي وقاص يقول: كنا نروي أبناءنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نحفِّظهم السورة من القرآن، بأن يحكوا للأولاد ماذا حدث في غزوة بدر وفي غزوة أحد، وفي غزوة الخندق وفي غزوة خيبر، فكانوا يحكون لهم ماذا حدث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكونوا إذن في حاجة إلى تذكّر هذه الأشياء" [11].
وترك السلف (في القرون الثلاثة الفاضلة) لم يكن مقترناً بتحريم الاحتفال أو كراهيّته فغاية ما هناك أنّهم لم يفعلوا، وقد أمر الله بما في هذه الآية: وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ [12]. ولم يقل في حق النبي: (وما تركه فانتهوا عنه) فكيف الحال في حقّ السلف؟!
3- أما الزعم أنها بدعة محدثة وضلالة، فالعلم قائم أن البدعة هو إحداث أمر في الدين لا أصل له في الشرع، أو التعبد لله بغير الطريقة النبوية. وليس في إقامة المولد شيء من هذا، قال الحافظ السيوطي: "هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف" . والصحيح أن تسمى سنة حسنة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء" [13]. ولقد سن الصحابة والخلفاء الراشدون من الأعمال ما لا خلاف حولها كصلاة تراويح رمضان، وكذاك الصحابي الذي يروي الحديث خبره: فقد أخرج البخاري رضي الله عنه في صحيحه عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: "كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم أي ِأنّ النبيّ لما انتهى من صلاته سأل من المتكلم من الذي قال حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه فقال المتكلم أنا، قال صلى الله عليه وسلم: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونَها أيهم يكتبها أول" . ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" . وفي لفظ آخر: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" . نفهم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ليس منه" أن المحدث إنما يكون ردًا أي مردودًا إذا كان على خلاف الشريعة، وأن المحدث الموافق للشريعة ليس مردودًا.
4- ثم "إنّ هذا الاحتفال ليس نوعا من العبادات التي يشرّعها الله، ولكنّه من أنواع العادات والأعراف التي يخترعها النّاس، ثمّ يأتي الشّرع بإباحتها إذا لم يكن فيها حرام، أو بمنعها إذا اشتملت على محرّمات. وبما أن ذكرى المولد في الأصل تذكير بسيرة الرّسول (صلَى الله عليه وسلَم) وأخلاقه فهي مباحة وفيها من الأجر إن شاء الله ما لا يخفى" [14].
5- أما القول بأن هذه الاحتفالات هي نوع من عبادة الأشخاص، كقول محمد حامد الفقي: "والمواليد والذكريات التي ملأت البلاد باسم الأولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم" [15]، فمردود لأن العنصر المقوّم لصدق العبادة على العمل هو الاعتقاد بألوهية المعظّم له أو ربوبيّته، أو كونه مالك لمصير المعظّم المحتفل، وأن بيده عاجله وآجله، ومنافعه ومضارّه ولا أقل بيده مفاتيح المغفرة والشفاعة.
وأمّا إذا خلا التعظيم عن هذه العناصر، واحتفل بذكرى رجل ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق هداية المحتفلين، فلا يعدّ ذلك عبادة له، وإن أقيمت له عشرات الاحتفالات، وألقيت فيها القصائد والخطب. ومن المعلوم أن المحتفلين المسلمين يعتقدون أن النبي الكريم عبد الله ورسوله، فلأجل تكريمه يقيمون الاحتفال أداءً لشكر النعمة.
6- أما القول في أن في الاحتفال تشبه بالنصارى فهو ظني يقول ابن تيمية: "وكذلك ما يحدثه بعض الناس إمّا مضاهاة للنصارى في ميلاد المسيح (عليه السلام)، وإمّا محبّة للنبي وتعظيماً له والله لقد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع" [16] نلاحظ أن شيخ الإسلام غير متأكد من أن الناس يقلدون النصارى بإحيائهم المولد، وذكر أنهم مثابون على المحبة والاجتهاد، لأن الأساس الذي ينبني عليه عمل المسلم هو الكتاب والسنة وحكم الشريعة، فلا تكون المضاهاة مانعة عن إتباع الكتاب والسنّة، وإن افترضنا أن أول من احتفل، احتفل تقليدا للنصارى إلا أن المحتفلين في هذه القرون براء من هذه التهمة.
7- أما تخصيص يوم بالاحتفال، يكون بدعة إذا اعتقد المحتفل وادّعى ورود الشرع به، أو حثّه على هذا التخصيص، فإن غاب هذا الاعتقاد انتفى الحكم ببدعية الاحتفال، ومعلوم أن جميع مجيزي الاحتفال بالمولد متفقون على جوازه في سائر الأيام. يقول سعيد حوى: "إن أصل الاجتماع على صفحة من السيرة أو على قصيدة في مدح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جائز ونرجو أن يكون أهله مأجورين، فأن يخصص للسيرة شهر يتحدث عنها فيه بلغة الشعر والحب فلا حرج. ألا ترى لو أن مدرسة فيها طلاب خصصت لكل نوع من أنواع الثقافة شهرا بعينه فهل هي آثمة، ما نظن أن الأمر يخرج عن ذلك" [17].
8- وقول ابن الحاج وغيره أن "هذه الاحتفالات مشتملة على أمور محرّمة في الغالب، كاختلاط النساء بالرجال" . لا يبيح تعميم الحكم على الاحتفالات البريئة من هذه المنكرات، ويذكر صاحب المعيار فتوى لابن عباد يقول فيها: "قال بعض الفضلاء: ...وما أنكر من أنكر ما يقع في هذا الزمان من الاجتماع (لإقامة المولد) في المكاتب للأطفال، إلا خيفة المناكر، واختلاط النساء والرجال، فأما إذا أمن ذلك، فلا شك في حسن ما يفعل من الاجتماع وذكر محاسنه، والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في سائر البقاع،... ولا يجوز تعظيم نبي الله تعالى إلا بما يرضيه ويرضي الله تعالى" [18].
9- ومن أدلة الإباحة القول بانعقاد الإجماع على جواز الاحتفال بالمولد النبوي، حيث أن أول إحياء للمولد كان في القرن الرابع، ولم يعترض أحد من العلماء حتى القرن السابع، وجاءت الأخبار بحضور جم غفير من الفقهاء إلى هذه الاحتفالات، ذكر ابن خلكان طرفاً من وصف الاحتفال بالمولد. فقال: "إن أهل البلاد كانوا سمعوا بحسن اعتقاده فيه (أي اعتقاد ملك إربل في المولد) فكان في كل سنة يصل إليه من البلاد القريبة من اربل مثل بغداد، والموصل، والجزيرة، وسنجار، ونصيبين، وبلاد العجم، وتلك النواحي، خلق كثير من الفقهاء، والصوفية، والوعاظ، والقراء، والشعراء" [19].
10- واستدل أيضا بأدلة عامة أخرى كثيرة منها ما في صحيح مسلم حين سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام الاثنين فقال: "ذاك يوم ولدت فيه" . وما ذكره السيوطي فيما رواه البيهقي عن أنس من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على نفسه، كل ذلك شكرانا لنعمة النبوة.
خلاصة
بعد عرض أدلة الفريقين يتبين أن ليس هناك دليل خاص يمنع من الاحتفال بالمولد النبوي، وأن جميع الأدلة العامة التي يقدمها المعارضون مردود عليها، ونخلص إلى القول بأنه: إذا خلا الاجتماع على إقامة المولد النبوي من المنكرات، فلا حرج فيه. بل فيه من الفوائد الكثيرة والجليلة ما يجعل مقيميه ممن يحيون ما أميت من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وذلك بذكر مناقبه صلى الله عليه وسلم وشمائله، ومدحه والصلاة عليه، وإظهار شكر هذه النعمة العظيمة، وهذه الرحمة المسداة. فلا حرج إذن في أن يعتمد شهر المولد كشهر تهيج فيه عواطف المحبة نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حرج في أن يعتمد شهر المولد كشهر يكثر فيه الحديث عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أقوال أهل السنة في جواز عمل المولد النبوي الشريف

أقوال أهل السنة في جواز عمل المولد النبوي الشريف



بسم الله الرحمن الرحيم و الحمدلله رب العالمين و الصلاة و السلام على اشرف المرسلين
بعدَ أن كثرت الفتاوى بتحريم فعل المولد و الاحتفال بذكرى النبي المصطفى عليه الصلاة و السلام و قولهم أنه بدعة منكرة محرمة، مع أن هذا الحكم الذي يفتون به و الله المستعان ما سبقهم اليه احد من أئمة العلم من الحفاظ والمحدثين والفقهاء ممن تقدّم، كما سيأتي إن شاء الله. وما يُقام ولله الحمد من الاحتفال بذكرى مولد خير البرية في شتى بقاع الارض خير دليل على أن المسلمين لا يلتفتون الى مثل هذه الفتاوى بل ينبذونها و يمقتونها
فعمل المولد هو من الفرح بيوم ولادة سيد المرسلين الذي جاء بالتوحيد و نبذ الشرك و عبادة غير الواحد الاحد فهو الـمـاحي كما ورد في الاثر، و حقيقة المولد المُتكلّم عنه ليس إلا:
1. الاجتماع على ذكر لله،
2. مدح وثناءٍ وصلاةٍ وسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم،
3. قراءةٌ لقصة مولده الشريف
4. إطعام الطعام
5. إظهار البهجة و السرور.
وكل من هذه المذكورات يندرج تحت أصول عامة في الشريعة:
من طلب الإكثار من ذكر الله، والحث على الصلاة والتسليم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
والحض على العلم الذي يندرج تحته قراءة قصة مولده الشريف،
وأما مدحه والثناء عليه فمما أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم من المادحين له من الشعراء وغيرهم في عهده صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى على أحد..
فنسرد بعون الله ما قاله العلماء المعتـبَرين في تعريف البدعة أولا و من قال منهم أن منها الحسن و المذموم، ثم أمثلة لبعض ما أحدث من امور حسنة، وبعده ذكــر من استحسن فعل المولد الشريف...
تعريف البدعة لغة
قال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم و الحكم ما نصه:
والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة
قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري بشرح البخاري ما نصه:
المحدثات بفتح الدال جمع محدثة والمراد بها ما أحدث، وليس له أصل في الشرع ويسمى في عرف الشرع بدعة وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما
قال الراغب الاصبهاني في مفردات القرءان ما نصه:
الإبداع : إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء، وإذا استعمل في حق الله تعالى فهو: إيجاد الشيء بغير آلة ولا مادة ولا زمان ولا مكان وليس ذلك إلا لله. اهـ أي هي ابتداع شيء على غير سابق مثال
قال الإمام أبو شامة عبدالرحمن بن إسماعيل المقدسي وهو من شيوخ الامام النووي في كتابه الباعث على إنكار البدع ما نصه:
أصل هذه الكلمة من الاختراع وهو الشيء يَحدث من غير أصل سبق،ولا مثال احتذى، ولا أُلّف مثله
قال ابن العربي المالكي:
ليست البدعة و المُحدث مذمومين للفظ بدعة و مُحدث و لا معنييهما، وإنّما يُذم من المُحدثاث ما دعا الى الضلالة
أقسام البدعة شرعا
روى الامام البيهقي بإسناده في: مناقب الشافعي ج1 ص469، عن الامام الشافعي رضي الله عنه قال:
المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من العلماء، وهذه محدثة غير مذمومة
وقال أمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني في: فتح الباري ج13ص253 ما نصه:
قال الشافعي: البدعة بدعتان محمودة ومذمومة , فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم، أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي، وجاء عن الشافعي أيضا ما أخرجه البيهقي في مناقبه قال: المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة. انتهى
وقال ابن حجر ايضا في الفتح: والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق , وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة , والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كان مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة
قال الامام النووي في: تهذيب الاسماء و اللغات ج3 ص22:
بدع: البِدعة بكسر الباء في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي منقسمة إلى: حسنة وقبيحة
وقال الامام النووي أيضا:
قال الشيخ الإمام المُجمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله ورضي عنه في آخر كتاب: القواعد: البدعة منقسمة إلى: واجبة، ومحرمة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة. قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فمحرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة. اهـ كلام النووي
قال الإمام أبو شامة عبدالرحمن بن إسماعيل المقدسي في الباعث على إنكار البدع:
ثم الحوادث منقسمة الى بدع مستحسنة والى بدع مستقبحة قال حرملة ابن يحيى سمعت الشافعي رحمه الله تعالى يقول البدعة بدعتان بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم
قال الكرماني في شرحه على صحيح البخاري:
البدعة كل شيء عُمل على غير مثال سابق، وهي خمسة أقسام: واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة. وحديث:كل بدعة ضلالة، من العام المخصوص
قال الإمام الغزالي في كلامه عن تنقيط القرآن وتجزيئه :
ولا يمنع من ذلك كونه مُحدثاً، فكم من محدَث حسن. كما قيل في إقامة الجماعات في التراويح: إنها من محدثات عمر رضي الله عنه، وإنها بدعة حسنة. إنما البدعة المذمومة ما يصادم السنة القديمة أو يكاد يفضي إلى تغييرها
قال الحافظ ابن العربي المالكي في: شرحه على سنن الترمذي:
اعلموا علمكم الله أن المحدثات على قسمين: مُحدث ليس له أصل إلا الشهوة والعمل بمقتضى الإرادة، فهذا باطل قطعاً. ومُحدث بحمل النظير على النظير، فهذه سنة الخلفاء، والأئمة الفضلاء. وليس المحدث والبدعة مذموماً للفظ محدث وبدعة ولا لمعناها، فقد قال تعالى: ما يأتيهم من ذِكـر مِن ربهم مُحدَثٍ، وقال عمر:نعمت البدعة هذه، وإنما يُذم من البدعة ما خالف السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلى ضلالة
قال العلامة ابن الأثير الجزري في كتابه: النهاية في غريب الحديث:
البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلالة، فما كان في خلاف ما أمر اللـه به ورسـوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله إليه وحض الله عليه أو رسوله فهو في حيز المدح. وما لم يكن له مثال موجود كنوع من السخاء والجود وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل له في ذلك ثواباً فقال: من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها، وقال ضده: من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم.
إلى أن قال ابن الاثير: وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر:وكل محدثة بدعة، يريد ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة
قال الإمام الزرقاني في شرحه على موطأ الإمام مالك عند قول عمر:نعمت البدعة هذه،
وصفها بـ: نعمت، لأن أصل ما فعله سنة، وإنما البدعة الممنوعة خلاف السنة
وقال ابن عمر في صلاة الضحى: نعمت البدعة
وقال تعالى: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله
وأما ابتداع الأشياء في عمل الدنيا فمباح
قـال السبكي:
البدعة فـي الشرع إنما يراد بها الأمر الحادث الذي لا أصل له في الشرع، وقد يطلق مقيداً، فيقال: بدعة هدى، وبدعة ضلالة. انتهى
قال ابن عابدين الفقيه الحنفي في رد المحتار على الدّر المختار ج1 ص376 ما نصه:
فقد تكون البدعة:
واجبة كنصب الادلة للرد على اهل الفرق الضالة و تعلم النحو المُفهم للكتاب والسنة،
ومندوبة كإحداث نحو رباط و مدرسة و كل إحسان لم يكن في الصدر الاول
ومكروهة كزخرفة المساجد
ومباحة كالتوسع بلذيذ المآكل والمشارب والثياب
شرح بعض الاحاديث
روى الامام مسلم في الصحيح كتاب الجمعة حديثا للنبي صلى الله عليه و سلم قال فيه:
أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة
قال الامام النووي في شرحه للحديث:
قوله صلى الله عليه وسلم : وكل بدعة ضلالة هذا عام مخصوص، والمراد غالب البدع
قال أهل اللغة: هي كل شيء عُمل على غير مثال سابق.
قال العلماء: البدعة خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرمة، ومكروهة، ومباحة. فمن الواجبة: نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك. ومن المندوبة: تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك. ومن المباح: التبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك. والحرام والمكروه ظاهران. وقد أوضحت المسألة بأدلتها المبسوطة في تهذيب الأسماء واللغات.
فإذا عُرف ما ذكرته عُلم أن الحديث من العام المخصوص، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التراويح: نعمت البدعة.
ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصا قوله: كل بدعة، مؤكدا: بكل، بل يدخله التخصيص مع ذلك، كقوله تعالى: تدمر كل شيء. اهـ
وروى مسلم أيضا في الصحيح، كتاب الزكاة حديثا طويلا عن رسول الله وفيه
من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء
قال النووي في شرحه للحديث ما نصه:
وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم : كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة
وأن المراد به: المحدثات الباطلة والبدع المذمومة، وقد سبق بيان هذا في كتاب صلاة الجمعة، وذكرنا هناك أن البدع خمسة أقسام: واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة
بعض ما أ ُحدث من الامور في زمن النبي وبعد وفاته صلى الله عليه و سلم
زيادة الامام عثمان بن عفان رضي الله عنه أذانا ثانيا يوم الجماعة
أخرج البخاري وابن ماجه والترمذي عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أولـُه إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمررضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزّوراء. (والزوراء مكان بالمدينة) قال الإمام النووي: إنما جُعل ثالثاً لأن الإقامة أيضاً تسمى أذاناً. انتهى
زيادة الصحابي قول ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه بعد قول سمع الله لمن حمده
روى البخاري في الصحيح، كتاب الاذان من رواية رفاعة بن رافع الزُّرَقي قال:كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فلما انصرف قال من المتكلم قال أنا قال رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول
قال ابن حجر في شرحه للحديث: واستـُدِل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور
سن الصحابي خبيب ركتين عند القتل
روى البخاري في الصحيح، كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع و رعل و ذكوان، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه حديثا طويلا و فيه: فخرجوا به (أي خبيب رضي الله عنه) من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين ثم انصرف إليهم فقال لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سنّ الركعتين عند القتل هو (أي خبيب) ثم قال: اللهم أحصهم عددا
سبب زيادة عبارة: الصلاة خير من النوم في آذان الصبح
روى ابن ماجة في سننه بإسنادٍ رجاله ثقات عن سعيد بن المسيب أن بلالاً أتى النبي صلى الله عليه وءاله وسلم يؤذنه بصلاة الفجر، فقيل: هو نائم، فقال الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم. فأقرت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك.ورواه الطبراني في الأوسط عن عائشة، والبيهقي عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن مرسلاً، بإسناد حسن. ولا شك أن الذي أقر بلالاً هو النبي صلى الله عليه وءاله وسلم. بل روى الطبراني في الكبير عن حفص بن عمر عن بلال أنه أتى النبي صلى الله عليه وءاله وسلم يؤذنه بالصبح، فوجده راقدًا فقال: الصلاة خير من النوم، مرتين فقال النبي صلى الله عليه وءاله وسلم: ما أحسن هذا اجعله في أذانك
سنّ معاذ بن جبل قضاء ما فات المأموم بعد فراغ الامام من الصلاة
قال الطبراني ثنا أبو زرعة المشقي ثنا يحيى بن صالح الوحاظي ثنا فليح بن سليمان عن زيد بن أبي سليمان عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة الجملي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال: كنا نأتي الصلاة، إذا جاء رجل وقد سبق بشيء من الصلاة أشار إليه الذي يليه: قد سبقت بكذا وكذا فيقضي قال: فكنا بين راكع وساجد وقائم وقاعد فجئت وقد سبقت ببعض الصلاة، وأشير اليّ بالذي سبقت به، فكنت لا أجده على حال إلا كنت عليها فكنت بحالهم التي وجدتهم عليها، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم قمت فصليت، واستقبل رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم الناس وقال: من القائل كذا وكذا؟ قالوا معاذ بن جبل، فقال: قد سنّ لكم معاذ فاقتدوا به إذا جاء أحدكم وقد سبق بشيء من الصلاة فليصلّ مع الإمام بصلاته، فإذا فرغ الإمام فليقض ما سبقه به. إسناد صحيح، وهو يدل على جواز إحداث أمر في العبادة صلاة أو غيرها إذا كان موافقًا لأدلة الشرع، وأنّ النبي صلى الله عليه وءاله وسلم لم يعنّف معاذا ولا قال له: لم أقدمت على أمر في الصلاة قبل أن تسألني عنه. بل أقره وقال: "سنّ لكم معاذ فاصنعوا كما صنع" لأن ما صنعه يوافق قاعدة الإتمام، واتباع المأموم لإمامه، بحيث لا يقضي ما فاته حتى يتم الإمام صلاته
تنقيط يحيى بن يعمر المصاحف
روى ابن ابي داود السجستاني في كتاب المصاحف ص158 عن هارون بن موسى قال: أول من نقّط المصاحف يحيى بن يعمر
آية فيها مدح الرهبانية التي ابتدعها أتباع النبي عيسى عليه السلام من المسلمين
روى الطبراني في الأوسط عن أبي امامة رضي الله عنه قال: إنّ الله فرض عليكم صوم رمضان، ولم يفرض عليكم قيامه، وإنما قيامه شيء أحدثتموه، فدوموا عليه، فإن أناسًا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا فعابهم الله بتركها فقال:ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حقّ رعايتها.. سورة الحديد
تعدد صلاة الجمعة في المدينة الواحدة
ذكر الحافظ الخطيب في تاريخ بغداد: أن أول جمعة أحدثت في الإسلام في بلد، مع قيام الجمعة القديمة، في أيام المعتضد في دار الخلافة. يعني بغداد، من غير بناء مسجد لإقامة الجمعة، وسبب ذلك، خشية الخلفاء على أنفسهم. وذلك في سنة ثمانين ومائتين، ثم بني في أيام المكتفي، مسجد فجمعوا فيه
قراءة القرءان جماعة في المسجد
قال الحافظ حرب الكـرماني تلميذ الإمام أحمد: رأيت أهل دمشق وأهل حمص وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون على القرءان بعد صلاة الصبح ولكن أهل الشام يقرأون القرءان كلهم جماعة من سورة واحدة بأصوات عالية، وأهل البصرة وأهل مكة يجتمعون فيقرأ أحدهم عشر ءايات، والناس ينصتون، ثم يقرأ ءاخر عشر ءايات حتى فرغوا،قال حرب: وكل ذلك حسن جميل
أما ما قيل في عمل المولد الشريف
ففي الباعث على إنكار البدع للعلامة ابي شامة المقدسي أحد شيوخ النووي ج1 صفحة 23
ومن أحسن ما ابتُدع في زماننا من هذا القبيل ما كان يُفعل بمدينة اربل جبرها الله تعالى كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف واظهار الزينة والسرور فان ذلك مع ما فيه من الاحسان الى الفقراء مُشعر بمحبة النبي صلى الله عليه و سلم وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله وشكرا لله تعالى على ما منّ به من ايجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين صلى الله عليه و سلم وعلى جميع المرسلين وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين
كتاب البداية والنهاية لابن كثير الجزء 13 صفحة 136
ترجمة الملك المظفر أبو سعيد كُوكَبري
ابن زين الدين علي بن تبكتكين أحد الاجواد والسادات الكبراء والملوك الامجاد له آثار حسنة وقد عمر الجامع المظفري بسفح قاسيون وكان قدهم بسياقه الماء إليه من ماء بذيرة فمنعه المعظم من ذلك واعتل بأنه قد يمر على مقابر المسلمين بالسفوح وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الاول ويحتفل به احتفالا هائلا وكان مع ذلك شهما شجاعا فاتكا بطلا عاقلا عالما عادلا رحمه الله وأكرم مثواه وقد صنف الشيخ أبو الخطاب ابن دُحية له مجلدا في المولد النبوي سماه التنوير في مولد البشير النذير فأجازه على ذلك بألف دينار وقد طالت مدته في الملك في زمان الدولة الصلاحية وقد كان محاصر عكا وإلى هذه السنة محمود السيرة والسريرة قال السبط حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف راس مشوى وعشرة آلاف دجاجة ومائة ألف زبدية وثلاثين ألف صحن حلوى
كتاب البداية والنهاية الجزء 13 صفحة 144
في ترجمة الحافظ شيخ الديار المصرية في الحديث ابن دحية الكلبي
قال ابن خلكان: وكان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء متقنا لعلم الحديث وما يتعلق به عارفا بالنحو واللغة وأيام العرب واشعارها، اشتغل ببلاد المغرب ثم رحل إلى الشام ثم إلى العراق، واجتاز بإربل سنة أربع وستمائة فوجد ملكها المعظم مُظفر الدين بن زين الدين يعتني بالمولد النبوي، فعمل له كتاب: التنوير في مولد السراج المنير، وقرأه عليه بنفسه فأجازه بألف دينار،قال وقد سمعناه على الملك المعظم في ستة مجالس في سنة ست وعشرين وستمائة قلت وقد وقفت على هذا الكتاب وكتبت منه أشياء حسنة مفيدة ...الخ
قال الحافظ السيوطي في: حسن المقصد في عمل المولد:
فقد وقع السؤال عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل هو محمود أو مذموم؟ وهل يثاب فاعله أو لا؟
والجواب عندي: أن أصل عمل المولد الذي هو: اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القرءان، ورواية الأخبار الواردة في مبدإ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف
وأول من أحدث فعل ذلك صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدّين علي بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد، وكان له ءاثار حسنة، وهو الذي عمَّر الجامع المظفري بسفح قاسيون
وقال الحافظ السيوطي ايضا: وقد استخرج له إمام الحفاظ أبو الفضل أحمد بن حجر أصلاً من السنة، واستخرجت له أنا أصلاً ثانيًا
وأجاب الحافظ السخاوي في فتاويه في الاجوبة المرضية ج3 ص 1116 عن عمل المولد فقال
لم ينقل عن احد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعد، ثم ما زال أهل الإسلام من سائر الأقطار و المدن العظام يحتفلون في شهر مولده صلى الله عليه و سلم و شرف و كرم يعملون الولائم البديعة المشتملة على الامور البهجة الرفيعة، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، و يزيدون في المبرات بل يعتنون بقراءة مولده الكريم، وتظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم بحيث كان مما جُرب قاله الامام شمس الدين ابن الجزري
وقال الحافظ:وكان للملك المظفر صاحب إربل كذلك فيها اتم عناية و اهتماما بشأنه جاوز الغاية، اثنى عليه به العلامة أبو شامة أحد شيوخ النووي الفائق في الاستقامة في كتاب الباعث على إنكار البدع و الحوادث وقال: مثل هذا الحسن يتقرّب إليه و يُشكر فاعله و يُثنى عليه
ثم قال الحافظ: قلت: بل خرّج شيخنا شيخ مشايخ الاسلام خاتمة الائمة الاعلام فِعله على أصل ثابت و هو ما ثبت في الصحيحين من انه صلى الله عليه و سلم دخل المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم اغرق الله سبحانه و تعالى فيه فرعون و نجّى موسى عليه السلام، فنحن نصومه شكرا لله عز وجل، فقال صلى الله عليه و سلم: فأنا أحق بموسى عليه السلام منكم، فصامه و امر بصيامه، وقال: إن عشت إلى قابل.... الحديث. قال شيخنا: فيُستفاد منه فعل الشكر لله تعالى على ما مَنّ به في يوم معيّن من إسداء نعمة أو دفع نقمة، و يُعاذ ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة. والشكر لله تعالى يحصل بأنواع العبادة: كالسجود و الصيام و التلاوة، وأيّ نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك اليوم. وعلى هذا ينبغي ان يُقتصر فيه على ما يُفهم الشكر لله تعالى من نحو ما ذُكر. أمّا ما يتبعه من السماع و اللهو وغيرهما فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحا بحيث يُعين السرور بذلك اليوم فلا بأس بإلحاقه و مهما كان حراما او مكروها فيُمنع و كذا ما كان خلاف الاولى. اهـ
وقال أيضا: ولمّا كان الزاهد القدوة المعمر أبو اسحاق إبراهيم بن عبدالرحمن ابن إبراهيم بن جماعة بالمدينة المنورة، كان يعمل طعاما في المولد النبويّ ويُطعم الناس و يقول: لو تمكنت عملت بطول الشهر كل يوم مولدا. اهـ
الخــلاصــــة
فعمل المولد من البدع الحسنة، وما يقام فيه ليس مخالفا لكتاب اللع ولا سنة رسوله بلا شك ولا ريب، و ليس مُنكرا مُحرما يستحق فاعله النار كما يزعم بعضهم اليوم، واما قولهم بإدخال بعضهم فيه منكرات، فهذه المنكرات هي المذمومة بنص الشرع لكن لا تقدح في هذا العمل المبارك، ولم يقل أحد بهدم المساجد ومنع الناس من دخولها بدعوى ان بعض القوم يفعلون افعالا شنيعة في بيوت الله.
والله اعلم و أحكم

عجبا لمفتي المملكة ومقلديه !! يرون الفتنة في "مولد النبوي" ولا يرونه في قنوات ام بي سي و روتانا السعودية.....


عجبا لمفتي المملكة ومقلديه !!
يرون الفتنة في "مولد النبوي" ولا يرونه في قنوات ام بي سي و روتانا السعودية.....


حكم الاحتفال بمولد النبي والمناسبات الإسلامية.؟

فتوى الشيخ يوسف قرضاوى ..
حكم الاحتفال بمولد النبي والمناسبات الإسلامية
تلقى فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سؤالا مفاده: ماحكم الاحتفال بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من المناسبات الإسلامية مثل مقدم العام الهجري وذكرى الإسراء والمعراج.
وردا على ذلك، قال العلامة القرضاوي:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد ...
هناك من المسلمين من يعتبرون أي احتفاء أو أي اهتمام أو أي حديث بالذكريات الإسلامية، أو بالهجرة النبوية، أو بالإسراء والمعراج، أو بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بغزوة بدر الكبرى، أو بفتح مكة، أو بأي حدث من أحداث سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، أو أي حديث عن هذه الموضوعات يعتبرونه بدعة في الدين، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وهذا ليس بصحيح على إطلاقه، إنما الذي ننكره في هذه الأشياء الاحتفالات التي تخالطها المنكرات، وتخالطها مخالفات شرعية وأشياء ما أنزل الله بها من سلطان، كما يحدث في بعض البلاد في المولد النبوي وفي الموالد التي يقيمونها للأولياء والصالحين، ولكن إذا انتهزنا هذه الفرصة للتذكير بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشخصية هذا النبي العظيم، وبرسالته العامة الخالدة التي جعلها الله رحمة للعالمين، فأي بدعة في هذا وأية ضلالة ؟!
إننا حينما نتحدث عن هذه الأحداث نذكر الناس بنعمة عظيمة، والتذكير بالنعم مشروع ومحمود ومطلوب، والله تعالى أمرنا بذلك في كتابه (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرًا، إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا)، يذكر بغزوة الخندق أو غزوة الأحزاب حينما غزت قريش وغطفان وأحابيشهما النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين في عقر دارهم، وأحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم، وأرادوا إبادة خضراء المسلمين واستئصال شأفتهم، وأنقذهم الله من هذه الورطة، وأرسل عليهم ريحاً وجنوداً لم يرها الناس من الملائكة ، يذكرهم الله بهذا، اذكروا لا تنسوا هذه الأشياء، معناها أنه يجب علينا أن نذكر هذه النعم ولا ننساها، وفي آية أخرى (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيدهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) يذكرهم بما كان يهود بني قينقاع قد عزموا عليه أن يغتالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكروا مكرهم وكادوا كيدهم وكان مكر الله أقوى منهم وأسرع، (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).
ذكر النعمة مطلوب إذن، نتذكر نعم الله في هذا، ونذكر المسلمين بهذه الأحداث وما فيها من عبر وما يستخلص منها من دروس، أيعاب هذا ؟ أيكون هذا بدعة وضلالة.
 

اسماء علماء اهل السنة اجازوا الاحتفال بمولد نبوي

 
بمناسبة بدء حملة بدعة الوهابية في تحريم الاحتفال في مولد سيد الكائنات
 كل عام وانت يا سيدي بالف خير
لا يتوفر نص بديل تلقائي.

الرد على من يدعي بدعية المولد النبوي هداهم الله وثبتنا على صراطه المستقيم وجعلنا ممن ينشر دينه ويدعو اليه:



لا يتوفر نص بديل تلقائي.


الرد على من يدعي بدعية المولد النبوي هداهم الله وثبتنا على صراطه المستقيم وجعلنا ممن ينشر دينه ويدعو اليه:

ما كان المسلمون الأولون في القرون الثلاثة الأولى يفكرون في تعيين زمن خاص يذكّرون فيه الناس بعظمة سيدنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنهم كانوا يحتفلون به في كل وقت وحين تذكيرا بشمائله وذكرا لفضائله وهديا على سنته وسيرته واتباعا لمنهاجه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فما هي أدلة جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في زماننا هذا؟
أدلة جواز الاحتفال بمولده الشريف صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إن أول ما يجب أنْ نؤكده أنَّ المدار في ثبوت الحكم على وجود الدليل، فحيث وُجد ثبت الحكم سواء عمل به كل الصحابة أو بعضهم، وسواء عمل به الأئمة المجتهدون أو لا. ولا يوجد أحد من العلماء اشترط في الدليل أن يعمل به الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان والأئمة المجتهدون، بل صرحوا بأن "الدليل متى استوفى الشروط المقررة لِقَبوله وجب الأخذ به".[1].
الأول:
أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كيف لا وقد انتفع به الكافر؛ ففي السيرة النبوية أن أبا لهب قد جوزي بتخفيف العذاب عنه يوم الاثنين بسبب إعتاقه ثويبة لما بشّرته بولادته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ[2]. وفي ذلك يقول الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي[3]:
إذا كان هذا كافرا جاء ذمه
وتبّت يداه في الجحيم مخلدا 
أتى أنه في يوم الاثنين دائما
يخفف عنه للسرور بأحمدا 
فما الظن بالعبد الذي كان عمره
بأحمد مسرورا ومات موّحدا 
الثاني:
أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعظم يوم مولده ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود إذ سعد به كل موجود وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة الأنصار رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئل عن صوم يوم الاثنين فقال:"ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ" [4]، وهذا في معنى الاحتفال به إلا أن الصورة مختلفة والمعنى واحد سواء كان ذلك بصيام أو إطعام طعام أو اجتماع على ذكر أو صلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسماع شمائله الشريفة. كما أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أخرج البيهقي في السنن الكبرى: "عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ"[5] مع أن جده عبد المطلب قد ورد أنه عقَّ عنه في سابع ولادته والعقيقة لا تعاد مرة ثانية فيحمل ذلك أن الذي فعله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريع لأمته.
الثالث:
أن الفرح به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر مطلوب بالقرآن لقول ربنا جل وعلا: قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ [6]، والله جل جلاله أمرنا أن نفرح بالرحمة ورسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أعظم الرحمة مصداقا لقوله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [7].
الرابع:
أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لذكرها وتعظيم يومها لأجلها ولأنه ظرف لها ولقد أصّل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه القاعدة بنفسه كما جاء في الحديث عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أنه لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْفَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِصَوْمِهِ" [8].
الخامس:
أن ذكرى مولده الشريف تحثُّ على الصلاة والسلام المطلوبين في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [9]، وما كان يحث على المطلوب شرعا فهو مطلوب شرعا، فكم للصلاة على النبي وآله من فوائد وإمدادات حسية ومعنوية يَمُسّ القلمَ لُغوبٌ في تعداد آثارها ومظاهر أنوارها قلبيا وعقليا وسلوكيا.
السادس:
أن الغالب على الناس في ذلك اليوم مدارسة شمائله ومعجزاته وإرهاصاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومعرفة ذلك مما يستدعي كمال الإيمان به عليه الصلاة والسلام وزيادة المحبة والشوق إليه إذ الإنسان مطبوع على حب الجميل خَلقا وخُلقا عِلما وعَملا حالا واعتقادا ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل من أخلاقه وشمائله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
السابع:
التعرض لمكافآته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأداء بعض ما يجب له علينا ببيان أوصافه الكاملة وأخلاقه الفاضلة وقد كان الشعراء يَفِدُون إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقصائد ويرضى عملهم ويجزيهم على ذلك بالطيبات، فإذا كان يرضى عمن مدحه فكيف لا يرضى عمن يصلي عليه ويجمع شمائله الشريفة ويذكِّر بها تقربا إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باستجلاب محبته ورضاه. ومن نافل القول أنَّ مَن استجلب محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد استجلب محبة الله تبارك وتعالى، وإذا تعلق قلب العبد بالله جل وعلا أحب كل ما يقرب إلى الله ويزيده، ويبقى أنه أشد حبا لله، فلا حب يوازي ذلك الحب، وإنما يحب بحب الله وله. قال ابن تيمية رحمه الله: "فإنك إذا أحببت الشخص لله كان اللهُ هو المحبوبَ لذاته، فكلما تصورته في قلبك تصورت محبوب الحق فأحببته، فازداد حبك لله، كما إذا ذكرت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأنبياء قبله والمرسلين وأصحابهم الصالحين وتصورتهم في قلبك، فإن ذلك يجذب قلبَك إلى محبة الله المنعِم عليهم وبهم إذا كنت تحبهم لله؛ فالمحبوب لله يجذِب إلى محبة الله، والمحب لله إذا أحب شخصا لله فإن الله هو محبوبه، فهو يحب أن يجذبه إلى الله تعالى، وكل من المحب لله والمحبوب لله يجذب إلى الله"[10].
الثامن:
يؤخذ من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فضل يوم الجمعة وعدّ مزاياه وأنه اليوم الذي فيه وُلد آدم عليه السلام تشريفٌ للزّمانِ الذي ثبت أنه كان ميلادًا لأي نبي من الأنبياء عليهم السلام فكيف باليوم الذي وُلد فيه سيد الأنبياء وأشرف المرسلين. ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه بل يكون له خصوصا ولنوعه عموما مهما تكرر كما هو الحال في يوم الجمعة شكرا للنعمة وإظهارا لمزِيّة النبوة. كما يعظَّم المكان الذي ولد فيه نبي ويؤخذ هذا من أمر جبريل عليه السلام النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصلاة ركعتين ببيت لحم ثم قال له: "أتدري أين صليت؟" قال: "لا" . قال: "صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام" [11]. والعبرة كما قال الأصوليون بعموم اللفظ لا بخصوص السبب حتى يقوم الدليل على التخصيص.
التاسع:
أن الله جل وعلا قال: وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [12]، يظهر منه أن الحكمة في قص أنبياء الله عليهم السلام تثبيت فؤاده الشريف بذلك ولاشك أننا اليوم وقد أضحت الحياة لاهية والقلوب سقيمة نحتاج إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره أشد من احتياجه هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
العاشر:
ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول فهو بدعة منكرة سيئة يحرم فعلها ويجب الإنكار عليها بل يجب أن يُعرَض ما أحدِث على أدلة الشـرع فيما اشتمل على مصلحة فيطلب تحصيلها بفعله، وما فيه من مفسدة فيطلب اجتنابها بتركه، وما خلا عنهما فيجوز فعله وتركه على السواء. ومسألة عدم فعل الصحابة لشيءٍ يحتمل أن يكون أمراً اتِّفاقياً، ويحتمل أن يكون ذلك عندهم غير جائز أو يكون جائزاً وغيره أفضل منه فتركوه إلى الأفضل، ويحتمل أن يكون تركوه لئلا يتخذ عادةً متبعة ويترك ما سواه من أنواع الأدعية ويحتمل غير هذه الاحتمالات، والقاعدة أن ما دخلَه الاحتمال سقط به الاستدلال. والتَّرك وحده "إن لم يصحبه نصٌّ على أن المتروك محظور لا يكون حجة في ذلك، بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع."[13].
الحادي عشر:
ليست كل بدعةٍ محرمةٌ ولو كان الأمر كذلك لحُرِّم جمع أبي بكر وزيد وعمر رضي الله عنهم القرآنَ وكتابته في المصاحف خوفا على ضياعه بموت الصحابة القراء رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولحُرِّم جمع عمر الناسَ على إمام واحد في صلاة القيام مع قوله نعمت البدعة هذه. ولا يخفى على من يمارس علم الأصول أن الشارع قد سمّى بدعة الهدى سُنة ووعد فاعلها أجرا، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ" [14].
الثاني عشر:
يؤخذ من أن أكثر أعمال الحج إنما هي تخليد لذكريات مشهودة ومواقف محمودة فالسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح بمنى كلها حوادث ماضية يُحيي المسلمون ذكراها بتجديد صورتها في الواقع.
الثالث عشر:
- كل ما تم ذكره سابقا من الوجوه في مشروعية المولد النبوي إنما هو في المولد الذي خلا من المنكرات المذمومة التي يجب الإنكار عليها مما لا يرضى به صاحب المولد الشريف صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ارتكاب المحرمات وكثرة الإسراف فهذا لاشك في تحريمه ومنعه لما اشتمل عليه من المحرمات، لكن تحريمه يكون عارضيا لا ذاتيا.

اقوال العلماء في الاحتفال بالمولد النبوي .



ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٩‏ أشخاص‏، و‏أشخاص يبتسمون‏‏
اقوال العلماء
في الاحتفال بالمولد النبوي . 
1- الامام ابن حجر العسقلاني فيما جاء في شرح صحيح البخاري
ذكر السهيلي ان العباس بن عبدالمطلب قال : ( لما مات ابو لهب رايته بعد حولٍ في شر حالٍ فقال ما لقيت بعدكم راحة الا ان العذاب يخفف عني كل يوم الاثنين قال : ذلك ان النبي () ولد يوم الاثنين فكانت ثويبة بشرت ابا لهب لمولد فأعتقها (1)
2- يقول الامام الحافظ شمس الدين محمد الدمشقي :
اذا كان هذا كافر جاء ذمهُ بتبت يداهُ في الجحيم مخلداً
اتى انه في يوم الاثنين دائماً يخفف عنهُ للسرور باحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمرهُ بأحمد مسروراً ومات موحداً
_________________________________________________________
1- البخاري 9/146-3148/فتح الباري ج 9 ص145
هذا القصة رواها البخاري في الصحيح في كتاب النحاح مرسلة ونقلها الحافظ ابن حجر في الفتح والامام عبدالرزاق في المصنف والحافظ البيهقي في الدلائل وابن كثير في البداية والنهاية والبغوي في شرح السنة 
*
والحديث وان كانت مرسلة الا انها مقبولة لاجل نقل البخاري لها واعتماد العلماء في الحفاظ لذلك
*
ورداً على الذين يقولون بأن الحادثة رؤيا لا تعمل بها 
فنقول / الرؤيا التي لاتقبل هي في مسألة اثبات حكم شرعي( الحلال والحرام ) وهذا خبر ورد وليس فيه حكم شرعي.
3- يقول ابن عباس () في تفسير قوله تعالى (( قل بفضل الله وبرحمة فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ مما يجمعون)) فضل الله علمه ورحمته النبي () فأمرنا ان نفرح بالرحمة بل هو اعظم رحمة قال الله تعالى (( وما ارسلناك الا رحمة للعلمين))(1)
4- ويقول الامام ابن شامة (( ان احسن ما احدث في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده () من الصدقات والمعروف وأظهار الزينة والسرور فأن ذلك من مع ما فيه من الاحسان الى الفقراء مشعر بمحبته () وتعظيميه في قلب فاعل ذلك وشكر الله تعالى على ما من به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين ()(2)
5- يقول الامام السيوطي (( ان ولادته () اعظم النعم ووفاته اعظم المصائب لنا والشريعة حثت على اظهار شكر النعم والصبر والسكون عند المصائب وقد أمر الشرع بالعقيقة عن الولادة وهي اظهار شكر وفرح بالمولود ولم يأمر عند الموت بذبح عقيقة ولا بغيره ))(3)
__________________________________________________________
1- يقولون :- هذا الرأي خطأ :- (نقول) لما يأخذ آراء ابن عباس حينما يناسبكم ولا يؤخذ حينما لا يناسب فتواكم أبهواكم !؟: 
يقولون : الفرح بفضل الله وبرحمته كلاهما يحصل مع بعضهما البعض فنقول :- يقول الشيخ عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن الوهاب حفيد شيخ الدعوة السلفية في كتابه كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين ص232 لايحصل له ذوق الايمان وبهجته ولذته وسرورهُ والفرح به وان كثرت صلاته وصيامهُ حتى يكون كذلك (( قل بفضل الله وبرحمة ...)) هنا الايمان وحدهُ مفرد وليس مثنى .
يقولون :- ان الاية لم تنزل لهذا اي للمولود نقول يقول الشيخ صالح الفوزان في شرح كتاب السنة للامام البربهاري ص11 (( فضل الله: هو الاسلام والرحمة هي القرآن )- ونقول اوليس الاولى الفرح برسول الاسلام والقران
2- فتح المبين في شرح الاربعين /الحديث الخامس
3- هذا ردٌ على من يقولون بأن ولادته () هو نفس وفائه. الحاوي للفتاوى للسيوطي ج1/298
6- الف الامام ابو الخطاب بن دحيه كتابهُ ( التنويرفي مولد البشير النذير ) واجاز فيه المولد 
7- يقول الامام القرطبي في فتح الباري في مسألة ابو طالب (وهذا تخفيف خاص بهذا وعن ورود النص فيه (1)
8- يرى الشيخ المفتي للديار العراقية عبد الكريم المدرس بجواز المولد. استناداً لبعض الادلة :-
أ-سورة الاعراف الايه 157- لا شك في أن إقامة الحفل في سبيل بيان مناقبه واوصافهُ () ونشأتهُ وذكر أخلاقهُ جائز
ب- قال تعالى (( ورفعنا لك ذكرك )) فأن ذكر ولادتهُ منقب من ما قبهِ
ج- قال تعالى (( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين )) وما يحصل في حفلات المولد هو تذكير الناس لكل ماهو محمود .
د- ويستدل للمولد بحديث الصوم ليوم عاشوراء
ھ- حب الرسول الله() واجب وتوضيح كيفية ولادته من ابعاث الحب في قلوب المؤمنين (2)
9- الشيخ جمعة امين عبدالعزيز يذكر في كتابه فهم الاسلام في ضلال اصول العشرين جواز الاحتفال بمولد الرسول () (3)
10- الشيخ محمد متولي الشعراوي يجيز الاحتفال بمولد الرسول () كما في احدى مقاطعهِ بالفيديو.
________________________________________________________________
1- وهذا ردٌ على من يقولون بأن الكافر مردودٌ عملهُ استادناً لقوله تعالى ((وقد منا الى ما عملوا من عمل فجعله هبائاً منثوراً))
2- بتصرف / الانوار القدسية في الاحوال القدسية : ص49-الى ص52
3- فهم الاسلام في ظلال الاصول العشرين / جمعة عبدالعزيز : ص116 – الى ص157

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف: الأصول الشرعية، الأدلة المرعية، والرد على المخالفين

   "شهر ربيع الأنور هو النفحة العطرة التي يتجدد فيها شوق الأمة لرسولها الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم. ويبقى موضوع الاحتفال بالمولد الن...

الى من يهمه الأمر مع التحية ..